الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : يحبون ويمقتون “نظرية المؤامرة” ( 2-2 )

اصداف : يحبون ويمقتون “نظرية المؤامرة” ( 2-2 )

وليد الزبيدي

لجوء الكثيرين إلى نظرية “المؤامرة “كان في الغالب للتخلص من مأزق تداخل الأحداث وتشعبها، وعندما تكون الصورة النهائية غائمة وربما تحمل أكثر من ضبابية في أن معا، يكون الخيار الأفضل عند الكثيرين الاستعانة بهذه النظرية التي يستطيع المرء تحت عباءتها رمي الاتهامات على هذا الطرف أو ذاك دون الحاجة إلى دليل، كما أنه يستطيع تسطير نظريات على بساط الحديث والكتابة دون الحاجة إلى الإتيان بدليل واحد ، لأن “نظرية المؤامرة ” تكفي وتسدّ الثغرات، وما على المرء إلا الانخراط في التحليل والتفسير وبعد ذلك رسم حجم المؤامرة وطولها وعرضها، فإذا أراد تفسير ظاهرة في الصراعات الداخلية يعلن أن الطرف الفلاني مدعوم سرا من الدولة الكبرى الفلانية وأن هذا الدعم يتضمن اتفاقيات عديدة وأن الجهة قد تسلمت الملايين من الدولارات وأن اسلحة كثيرة قد وصلت وأن تفوق هذا على ذاك يعود لحجم المؤامرة التي تحاك ضد ذاك، وأن فلان يرفض كل الاغراءات لأنها تمس الكرامة والوطنية في حين فلان يأخذ ويتسلم ويعمل لصالح الفلانيين وسواهم.
وإذا انتقل الحديث عن تفسير لظواهر جديدة تحتاج إلى دراسة الظواهر المشابهة في التاريخ وكيف نشأت وما اسباب بروزها وهل هناك عمر افتراضي لها، وما هي الأسس العلمية التي تقوم عليها، فإن التعويض عن كل هذا العناء والتعب والغوص في أعماق الكتب والمراجع واجراء المقارنات يمكن الاستعاضة عنه برمي الاتهامات واللجوء إلى نظرية “المؤامرة ” لأنها اسهل الطرق التي يمكن سلوكها ، كما أنها تقلل الصداع ولا تدخل صاحبها في إتون الفكر والعقل والبحث في الزوايا لإضاءة جوهر القضية والوصول إلى قناعات سليمة.
ويعشق الناس “نظرية المؤامرة” عندما يتعلق الأمر بالحكومات التي تخرج عن الاطر التقليدية في علاقاتها مع مواطنيها، أي عندما تنتشر انتهاكات حقوق الإنسان وتمتليء السجون بالابرياء وتنتشر عمليات التعذيب البشع بحق الأبرياء، وتنتفخ حسابات المسؤولين ولا يجد الناس ما يسد قوتهم، وعندما يتراجع الأمن ويصبح الناس معرضين للقتل والاختطاف والابتزاز في كل مكان، وعندما يتراجع التعليم لدرجة أن الجهل يصبح أحد الأخطار الرئيسية التي تهدد البنية المجتمعية، وعندما تختفي الطرق المعبدة ويتراجع أداء المشافي ويصبح الحصول على الدواء من المحن اليومية للناس.
في أجواء واضحة وزاخرة بالخوف والجوع والمرض وغياب التعليم تصبح الحكومات التي على هذه الشاكلة معرضة للاتهام بتآمرها على ناسها، وتبدأ “نظرية المؤامرة” اكثر فاعلية وحضورا عند الناس ، الذين يلجأون لتفسير كل ذلك في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية في السياسة والاقتصاد والمعتقدات.
لكن الطبقة التي لا يشملها الواقع المأساوي الذي أشرنا إليه لن تقبل بتلك النظرية “المؤامرة” وبهذا تنشق المجتمعات إلى محب لـ”نظرية المؤامرة ” وماقت لها.

إلى الأعلى