الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الإصرار على استمرار “الربيع”

الإصرار على استمرار “الربيع”

أحمد مصطفى

” لنتذكر أن العنتريات الإعلامية جلبت لنا ولغيرنا المزيد من التشوه والدمار، وكل القصد ان نتذكر ولو الماضي القريب ومواقف الأشخاص والجماعات ولو منذ ثورة 25 يناير 2011 كي نقلل من الأثر السلبي لما هو آت. ولنتيقن دوما انه في النهاية لن يفرض عليك الا ما تساهم انت في فرضه (سواء بالغفلة والنسيان أو بالطيش والعنترية”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على احتجاجات واضطرابات ما عرف باسم “الربيع العربي” في عدد من دول المنطقة، يبدو أن فورة الحماس والتفاؤل التي سادت في 2011 وربما لعامين بعد ذلك قد خبت وأتاحت فرصة للتفكير في ضوء النتائج التي نعيشها الآن. وسأبدأ باعتراف مهم بالنسبة لي، وهو أن تفاؤلي الشديد بما جرى لم يتغير كثيرا رغم إعادة التفكير في كثير مما انتابني (وأظنه انتاب كثيرين مثلي) وقتها من “تفكير بالتمني”. مبعث الأمل، أن ما حدث كانت له أسبابه الذاتية في مجتمعاتنا العربية وأنه جاء نتيجة خروج مجموعات من الأجيال الجديدة عن محاذير الأجيال السابقة التي كانت تتردد في مواجهة القمع والفساد خشية أن “تهدم الدولة”. وتظل كافة المقدمات التي تحدث عنها الجميع صحيحة، ومبررات الانفجار منطقية.
أما التفكير بالتمني، فقد سحب كثيرين لتوقع ان تلك بداية “تغيير جذري” سيسهم في إعادة بناء دولة ما بعد الاستقلال وأن تلك الأجيال الجديدة ستأخذ بزمام الأمور ولن يكون امام الأجيال المتسيدة سوى التكيف ومساندة هؤلاء في القفز للأمام. ربما ما زاد جرعة “التمني” في تلك التوقعات أن العوامل غير الذاتية، وتحديدا مواقف القوى الإقليمية والدولية المعنية بالتطورات في بلداننا، لم تمحص جيدا وبالتالي لم تؤخذ بعين الاعتبار في التحليلات والتوقعات. ولنأخذ مثالا من مصر (فلست ممن يرون مثل الخواجات أن نموذج تونس هو المثالي) حيث آل الأمر إلى خيارات بين القوى التقليدية وتيار الإسلام السياسي ممثلا في جماعة الإخوان. وتكرر ذلك، بدرجات متفاوتة في بقية الحالات بما في ذلك حالات البلاد التي دخلت في حروب أهلية مدمرة كسوريا واليمن وليبيا.
وبعد هذه السنوات الخمس، بدا واضحا الآن أن الغرب (وتحديدا بريطانيا وأميركا) لعبوا على تلك الموجة ذات الأسباب الحقيقية والنابعة ذاتيا فعلا ليكملوا هدفا استراتيجيا لم يتحقق بخراب أفغانستان وتدمير العراق وجذره الأساسي استبدال الأنظمة القمعية بفصيل الإخوان باعتباره الأساس في الإسلام السياسي الذي تطور جماعات مسلحة وإرهابا في أنحاء العالم. ورغم انكشاف كثيرين في المنطقة على تلك الحقيقة، وما خلفته تلك الهبات من فوضى إلا أن تلك القوى الخارجية ما زالت مصرة على تنصيب الإخوان ولو بالحروب الأهلية والتدمير. ويحضرني هنا ما كتبته قبل ثلاث سنوات عن الوضع في مصر:
* كان السادات اول من بدأ استخدام الاسلام السياسي العنيف بعد سقوط الملكية، رعى الاخوان وحاباهم وفتح لهم الجامعات (الجماعة الاسلامية) والعمل المجتمعي الموازي (زوايا ومشاغل ومستوصفات) وفجر بهم أول فتنة طائفية مسلحة في مصر الحديثة ليستغلها ورقة داخليا وخارجيا .. ثم اغتاله ارهابيو الجماعة التي رعاها. ولا ننسى أن السادات هو الحاكم المصري الذي اعتقل البابا في أقصى صور تديين السياسة تطرفا.
* طوال حكم مبارك كان التعامل الأمني مع الإخوان هو الأوثق ( حتى في الحملات عليهم) وبفضل ورقة “يا انا يا الارهابيين” استمر حكم مبارك3 عقود وكان نظامه بالأساس أمنا وبلطجية وإخوان.
* قبل الحنق والصراخ على الغرب الذي اسس القاعدة والارهاب في افغانستان وغيرها، لنتذكر ان انظمتنا لم تكن تفعل ما يختلف عن ذلك كثيرا (وكان الاخوان، مستفيدين من الاموال الخليجية، يجندون الشباب لما يسمونه الجهاد في أفغانستان وغيرها) فلا تستغرب ان تدخل الغرب ليصحح لك الطريق الذي تقاطعتما فيه ومشتركه الجماعات المتطرفة واصلها الاخواني.
* كل من يريد ان يغسل خطاياه ويرسم صورة “المناضل الوطني المولود من جديد” يسهم في تدمير مصر وليس في بنائها. وحتى لا نساعد هؤلاء ونبقي على بعض منطق يساعدنا بعد انقشاع غبار الهدم لنتذكر ان اغلبهم لم تكن علاقته بالأمن في عهد مبارك تختلف عن وحشية الشرطة في استخدام البلطجية (ولكن بطريقة شيك) ولا يقتصر هذا على الاخوان وحدهم، بل اغلب الاعلاميين النجوم الدائمين فيما يسمى “إعلام رجال الاعمال” ونجوم سياسة برزت في السنوات الاخيرة.
* ليس معنى هذا ان كل من في صدارة الصورة مشوهون، بل هناك فئة قليلة مخلصة ونقية وهي التي ستبقى بعد كل هذا الفرز الدموي والناري.
* لنتذكر ان العنتريات الاعلامية جلبت لنا ولغيرنا المزيد من التشوه والدمار، وكل القصد ان نتذكر ولو الماضي القريب ومواقف الاشخاص والجماعات ولو منذ ثورة 25 يناير 2011 كي نقلل من الاثر السلبي لما هو آت. ولنتيقن دوما انه في النهاية لن يفرض عليك الا ما تساهم انت في فرضه (سواء بالغفلة والنسيان او بالطيش والعنترية.
تظل هذه السطور صالحة في حالة مصر حتى الآن، رغم إزاحة الإخوان من الحكم. أما في مناطق الصراعات الأخرى، فنرى الأميركيين والبريطانيين يصرون على فرضهم في ليبيا رغم فقدانهم الشرعية بعدم انتخابهم من قبل الشعب في 2014. وفي سوريا، تتجه كل الجهود الآن لتهيئة الإخوان كبديل ويبدو وكأن التقارب الروسي التركي أعطى الإخوان الفرصة الأفضل رغم انهم لا يمثلون شيئا في سوريا لا في الحكم ولا المعارضة. والواضح ان إيران قبلت بذلك الآن وبدأت تتعامل مع هذا الفصيل في إطار مشترك مع تركيا وروسيا.
رغم كل ما جرى ويجري، هناك إصرار على استمرار هذا النهج الكارثي للأسف.

إلى الأعلى