الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / عدسة عدنان البلوشي تجوب “مكة المكرمة” و”جدة” و”الطائف”
عدسة عدنان البلوشي تجوب “مكة المكرمة” و”جدة” و”الطائف”

عدسة عدنان البلوشي تجوب “مكة المكرمة” و”جدة” و”الطائف”

وثق خلالها مراحل صناعة كسوة الكعبة المشرفة
متابعة ـ خالد بن خليفة السيابي :
شدت عدسة المصور عدنان البلوشي الرحال إلى المملكة العربية السعودية ليقتنص جماليات هذه الرحلة بمختلف تفاصيلها الدقيقة، لكنه في الوقت نفسه وضع في مخيلته قاصدا الولوج إلى تفاصيل صناعة كسوة “الكعبة المشرفة” ثم التواصل عبر جدة المغايرة حيث التاريخ والآثار، ثم الطائف حيث الورود والفنون ليقتنص لحظات جمالية يقدمها للمتلقي، يسافر به إلى عالم جمالي واقعي عبر العدسة .
حول هذه الرحلة يقول المصور عدنان البلوشي : منذ المراحل الأولى في حياتي، كان بداخلي شغف للتعرف على الخطوات التي تمر بها كسوة الكعبة المشرفة، وكنت أبحث في تاريخ الكعبة المشرفة وكسوتها، على مدى الأزمنة والعصور، وكما نعرف أن الكعبة المشرفة حظيت باهتمام كبير منذ بنائها وإلى العصر ما قبل الاسلام وأيضا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم العصور التي اتت بعدها الى يومنا هذا، وأيضا شدني اهتمام الناس منذ القدم بكسوة الكعبة المشرفة وبعد كل هذا الشغف والفضول الذي يجتاح مخيلتي كبرت الفكرة بداخلي وأخذتها على محمل الجد وقدمت طلبا للجهات المختصة بطلب تصوير كسوة الكعبة، وبعد حصولي على موافقة الزيارة لمصنع كسوة الكعبة المشرفة قررت أن تكون الرحلة أكثر توسعا خاصة بعد الانتهاء من تصوير مراحل صناعة كسوة الكعبة، فالتوجه إلى جدة لزيارة أحد الأحياء التاريخية المعروفة هناك وهو حي يحتوي على بيوت وآثار وأسواق قديمة وتتميز بعض المباني بها بالطراز العثماني كونها بنيت عندما كانت الحجاز تابعة للدولة العثمانية، ومن ثم الانتقال إلى الطائف لتوثيق أحد الموروثات الحجازية المميزة وهو فن التعشير وما تتميز به المملكة العربية السعودية من ثقافات متنوعة وآثار قديمة وتراث يزخر بالجمال.
وأضاف المصور عدنان البلوشي: بعد وصولي لمكة المكرمة توجهت إلى منطقة أم الجود حيث مصنع كسوة الكعبة المشرفة والذي بني عام 1397 هجري وبأياد سعودية خالصة، وجميع العاملين في المصنع هم مواطنون من المملكة العربية السعودية وكما نعلم أن بلاد الحرمين تولي اهتماما كبيرا جدا وتنفق مليارات الريالات لخدمة الكعبة المشرفة ويتم تبديلها سنويا في اليوم التاسع من ذي الحجة.

مراحل صنع الكسوة
وأضاف “البلوشي”: تمر صناعة الكسوة بخمس مراحل وهي “مرحلة الصبغ” وهي مراحل إنتاج الثوب، حيث يزود قسم الصباغة بأفضل أنواع الحرير الطبيعي الخالص في العالم الذي يجلب من إيطاليا وتتم عملية صبغ خيوط الحرير في مختبرات خاصة.
ومن ثم الخطوة الثانية “النسيج الآلي” يتم فيه صناعة الثوب ونسيج خيوط الحرير إلى قطع الكسوة التي تطبع فيها آيات قرآنية ونقوش بأحدث أجهزة النسيج في العالم والتي صنعت خصيصا لصناعة الكسوة.
أما المرحلة الثالثة وهي “قسم الطباعة” فتتم طباعة الآيات والنقوش على الثوب لتتم عملية الخياطة عليه لاحقا، وهنا يتم طباعة خط الخطاط عبدالرحيم امين رحمه الله الذي توفى قبل عشرين عاما والذي أوصى أن يكتب إسمه في الكسوة عند صناعة كل كسوة.
بعدها الانتقال إلى المرحلة الرابعة وهي عملية “التطريز” وتتم عملية التطريز بأسلاك فضية وذهبية وأيضا تتم بأياد سعودية ماهرة.
اما آخر مرحلة لكسوة الكعبة فهي “التجميع” حيث يتم تجميع جميع القطع وتوصيلها ببعضها البعض، لتكتمل حكاية كسوة الكعبة المشرفة بعد مرورها بخمس مراحل مختلفة.

وحول رحلته لـ”جدة” يقول المصور عدنان البلوشي: ذهبت إلى حي البلد التاريخي بجدة وقمت بزيارة أحد البيوت القديمة والعريقة وهو بيت باعشن التاريخي وهو بيت الشيخ محمد صالح باعشن ـ رحمه الله ـ أحد تجار ووجهاء جدة وعمر هذا البيت حوالي ٢٠٠ سنة، حيث أصبح اليوم هذا البيت من أهم معالم جدة التاريخية وقمت بتصوير وتوثيق بعض زوايا البيت كما قمت بتصوير الأسواق القديمة والتاريخية في حي البلد.

العرضة بالمقمع
وبعد الانتهاء من زيارة مدينة جدة واصل المصور عدنان البلوشي رحلته إلى آخر محطة وهي “الطائف” وبالتحديد منطقة الشفا، حيث نزل على قبيلة “السفياني” إحدى قبائل ثقيف العريقة وقبيلة السفياني تمارس وتتقن بمهارة فن التعشير أو العرضة بالمقمع وهي رقصة حربية قديمة وهي أشبه ما تكون بالعرض العسكري من حيث الترتيب والاحترافية في الاداء وينحصر أداؤها على المحاربين قبل المعارك من أجل بث الحماس وزعزعة وإخافة الخصوم وبعد المعارك للتعبير عن الفرحة بالنصر والتباهي بالقوة، ومع مرور الوقت وانتهاء مثل هذه الصراعات، اهتم أهل الطائف بهذا الفن وتحول إلى موروث استعراضي جميل باق إلى يومنا هذا. وتعد العرضة بالمقمع اليوم رقصة شعبية تراثية مشهورة في منطقة الحجاز والمنطقة الجنوبية يستخدم فيها سلاح المقمع وتقام في المناسبات والأفراح والأعياد للتعبير عن الفرح وإدخال البهجة وأيضا المحافضة على التراث الشعبي، فالعرضة بالمقمع في منطقة الطائف تختلف عن العرضة الجنوبية من ناحية طريقة الأداء والأهازيج والأشعار المصاحبة لها، فالرقص بالمقمع بطريقة أهل الطائف يتطلب إتقانا فائقا لطريقة حمل السلاح بشكل يضمن سلامة الرجل العارض، وأيضا يتطلب احترافية في طريقة الاستعراض به، فالمشاهد للعرضة الطائفية بالمقمع يدرك صعوبة وخطورة تأديتها من غير المتدرب المختص. والرقص بالمقمع يبدأ بتدريب الشباب على طريقة حمل السلاح بطريقة احترافية تضمن عدم تشكيل خطورة على حاملها ولا على الجمهور الحاضر وأيضا تعطي شكلا جماليا يتناسق مع اللبس الشعبي والتراثي لأهل الحجاز ومن ثم وبعد إتقان طريقة حمل السلاح يتم التدريب على الرقصة الاستعراضية والمشي بطريقة معينة وبخطوات مرتبة ومدروسة واستعراضية تظهر صورة جمالية تبين رشاقة وجمال حركة المؤدي لهذه الرقصة الشعبية الخطيرة وبعد تكامل هذه الخطوات يتم التدريب على الرقصة الأكثر خطورة التي تتم والمقمع محشوة بالبارود الجاهز للانفجار يقوم العارض وهو “الشخص المؤدي لهذه الرقصة الشعبية”، يقوم بلف السلاح بمهارة عالية ومن ثم القفز عن الأرض بشكل جمالي مسافة تضمن عدم تعرضه للأذى ثم يقوم بالضغط على الزناد لينفجر البارود بصوت قوي ونار قوية مع دخان يغطي الراقص بالسلاح، وهنا يتضح الشكل الجمالي الذي ينتج عن الاستعراض بين الدخان والنار الذي يظهر المهارة الفائقة التي ضمنت سلامة مؤدي الرقصة من خطر الانفجار .
ويؤدي العرضة بالمقمع أكثر من عارض فتعمل بشكل فردي وثنائي وأيضا بعدد أكبر ولكن لصعوبة الرقصة وخطورتها يتم الحرص على عدم تأديتها بأكثر من شخصين وبشرط أن يتمتعان بالمهاره والإتقان حتى لايتعرضا للأذى، وأما عن طريقة تجهيز المقمع فتبدأ بتحضير البارود وتعبئة المقمع مع فهوة المقمع بمقدار معين من البارود ثم يتم بعد ذلك دك هذا البارود بالمشحان وهو سلك مدبب الراس قوي، يدك به البارود داخل سبطانة المقمع وبعد دك البارود يوضع ما يسمى بالزرد وهي عبارة قطعة نحاسية محشوه بمادة يظهر منها شرارة قوية عند ضغط زناد المقمع يشتعل منها البارود وينطلق خارج فوهة السلاح. أما عن الأهازيج المصاحبة لعرضة المقمع لأهل الطائف فتتلخص في لون شعبي مشهور بالرجز يتغنى الشاعر فيه بكلماته التي عادة ما تكون عن الفخر ويؤديها بلحن معين مشهور في الحجاز.

إلى الأعلى