الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مجموعة اليورو بعد بريطانيا

مجموعة اليورو بعد بريطانيا

علي بدوان

علي بدوان ـ كاتب فلسطيني

■ مما لا شك فيه أن خروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد الأوروبي شَكَّلَ تحديًا جديدًا لأوروبا بأسرها، تحديًا يُتوقع أن تبدأ مفاعيله وتداعياته في الفترة القريبة القادمة، وقد تُهدد ببقاء مجموعة الاتحاد بأسرها. فخروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد الأوروبي هو يوم حزين لها وللاتحاد، كما عبر عن ذلك العديد من القادة الأوروبيين، وقد هَزَّ هذا الخروج ثقة الشارع الأوروبي بإمكانية بقاء الاتحاد واستمراره، وهو ما دعا البعض وفور إعلان نتائج الاستفتاء في بريطانيا للعودة للشارع من أجل كسب ثقة الناس في عموم دول الاتحاد.
لقد حَسَمَ البريطانيون الموقف، فصوتوا لصالح مغادرة بلادهم مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، وكان الهدف من وراء ذلك استجابة لمطالبات الأحزاب اليمينية المتطرفة والانعزالية والمعادية للمهاجرين الذين باتوا من وجهة نظرهم ينافسون الجمهور المحلي على فرص العمل، وعلى استنزاف المال العام المخصص للضمان الصحي والتعليم والرفاه.
بريطانيا دولة محورية ومن أعمدة دول الاتحاد، لكن موقف الشارع كان هو الحاسم في هذا المجال حتى وإن جاءت نسبة الاستفتاء نحو 52% لصالح المنادين بخروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد مقابل 48% وبنسبة مشاركة بلغت 72,2%. والإيجابي في هذا الشأن كان باحترام الحكومة البريطانية لرأي الناس والنزول عند رغبات الشارع، حتى وإن كانت عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي تَحمِلُ معها أضرارًا مؤثرة تتفوق على الإيجابيات التي يراها البعض، وخصوصًا بالنسبة للتخلص من عبء المهاجرين القادمين من مختلف مناطق الاضطرابات في العالم باتجاه القارة الأوروبية.
ومن الواضح، ووفق تقديرات معظم الاقتصاديين، أن اقتصاد المملكة المتحدة سيواجه الآن وبعد خروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد تحديات كبيرة جدًا، أهمها أن الامتيازات التي كانت تنالها بريطانيا ومنتجاتها في السوق الأوروبية، لن تجدها هذه المرة بل ستفقدها تمامًا. ونشير أيضًا أن الجنيه الإسترليني هوى تقريبًا، إلى 1.34 دولار وهو أدنى مستوى له منذ سبتمبر 1985.
وهنا علينا أن نلاحظ أن أول المرحبين والمهللين بنتاج الاستفتاء في بريطانيا جاء على لسان المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب، المحسوب على رموز تيار المحافظين الجدد والذي ينتمي إليه الرئيس الأسبق بوش الابن والأب وجوقة تشيني وكونداليزا رايس ورامسفيلد.
إن الترحيب الأميركي يحمل في طياته مضمونًا سياسيًّا واقتصاديًّا، حيث يُريد تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بقاء بريطانيا تحت سقف الموقف الأميركي المتعلق بالقضايا الساخنة في العالم، ومنع محاولات التمايز عن الموقف الأميركي، كما يُريد العديد القادة الأوروبيين وخاصة منهم الفرنسيين والألمان، الذين يسعون ومنذ فترة طويلة نسبيًّا لبناء سياسات أوروبية مستقلة عن الموقف الأميركي بشأن العديد من القضايا السياسية الدولية، بما في ذلك المسائل المتعلقة بالاقتصاد العالمي.
إن مُنظري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، يرقصون فرحًا وطربًا، وقد انتعشوا الآن بنتاج التصويت في بريطانيا والداعية لخروج بريطانيا من دول مجموعة الاتحاد، مُعتقدين بأن العولمة المتبادلة قد ماتت وانتهت، لصالح العولمة الأميركية وحيدة الاتجاه.
في هذا السياق، تُشير المُعطيات والمعلومات الصادرة مؤخرًا، بأن هناك حالة لا بأس بها من الانتعاش الاقتصادي بدأت تَدِبُ في العديد من دول الاتحاد الأوروبي (منطقة اليورو)، بالرغم من خروج بريطانيا من مجموعة دول الاتحاد رسميًّا، فضلًا عن تفاقم ظاهرة اللاجئين وتدفقهم نحو بعض دول الاتحاد، خاصة من سوريا، ومن لاجئي فلسطين في سوريا. وقد نجحت وسَجَلَت ألمانيا أدنى معدل بطالة في منطقة اليورو بنحو 4,3% بالرغم استهداف اللاجئين السوريين ومن في حكمهم المانيا كبلد لجوء مُفضّل استقطب الغالبية منهم، حيث تم استيعابهم من قبل الحكومة الألمانية، بينما فَضّلَ الآخرون من اللاجئين الاتجاه نحو السويد، وهولندا، والنمسا … بينما سَجَلَت اليونان أعلى معدل في سريان البطالة حيث ما زالت مفاعيل الأزمة الاقتصادية في اليونان قائمة على أرض الواقع.
إن المعطيات تُشير في جانبٍ منها إلى انخفاض معدل البطالة في منطقة اليورو ولو بشكلٍ محدود، بنحو 39 ألف شخص، من 10,63 مليون عاطل في كانون الثاني يناير 2016 إلى 10,23% في شباط/فبراير 2016 وهو أدنى معدل للبطالة منذ آب/أغسطس2011، فيما تضع الحكومات الأوروبية المُخَطّط تلو الآخر بهدف إنعاش الاقتصاد عقب خروجها من الركود منذ أكثر من عامين. فضلًا عن أيجاد الحلول الناجعة للجديد في الأزمات الاقتصادية التي تعصف بدول الاتحاد الأوربي بشكلٍ رئيسي منذ العام 2007، حيث لا يزال الاقتصاد العالمي مُضطربًا ومهزوزًا من جراء زلزال الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت صيف العام 2007 وهي أخطر أزمة تشهدها الرأسمالية العالمية منذ الكساد الكبير الذي وقع في العام 1929 بعيد انتهاء ذيول نيران الحرب العالمية الأولى.
الملاحظات الأهم بالنسبة لدول الاتحاد ومنطقة اليورو، تُسجّل على فرنسا، صاحبة الدور الفاعل والمؤثر في ميدان السياسات الدولية، والحلول المقترحة وخاصة لما يجري في سوريا، حيث بدت الأزمات الاقتصادية في فرنسا تراوح مكانها دون حلولٍ ناجعة، وبقيت نسب البطالة على حالها، بل وزادت في بعض القطاعات الاقتصادية، وهو ما بات يهدد آمال الرئيس فرانسوا هولاند للفوز بولاية ثانية في 2017، إذ تراجعت شعبيته إلى أدنى حد (نحو 15% من إجمالي الفرنسيين) بسبب الركود الاقتصادي (رغم الأموال العمومية التي ضختها الحكومة في خزينة الشركات الخاصة)، وقدرت مؤسسة الإحصاء (INSEE) ان نحو 40% من ناخبي الحزب «الاشتراكي» الحاكم شاركوا في مظاهرة 31 آذار 2016 والتي جمعت 1,2 مليون متظاهرًا، احتجاجًا على السياسات الاقتصادية للحكومة وسياسة رفع الضرائب.
وهنا، يعتقد الكثير من المتابعين، بمن فيهم أرباب الاقتصاد والعمل والنقابات في باريس، بأن الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي عاد للحكم في انتخابات 2012 يطَبِّقُ سياسة أكثر يَمِينِيَّةً من اليمين نفسه، حيث يتمتَّع أرباب العمل بنحو 61 مليار يورو من الحوافز وتخفيضات الضرائب وإعفاء من المُساهمة في مؤسسات الحماية الاجتماعية، وفي المقابل ارتفعت الضرائب على الرواتب وعلى أصحاب الدخل الضعيف والمتوسط، ما زاد من احتجاجات النقابات والشباب، وتظاهر مئات الآلاف من العمال والأجراء والشباب والنساء للمرة الثالثة خلال أقل من شهر في آذار/مارس المنصرم احتجاجًا على مشروع إلغاء بعض الضوابط التي بقيت في قانون العمل، لتقنين العلاقة بين رب العمل والأجير.■

إلى الأعلى