السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / استيطان إسرائيلي من نوع خاص فـي إفريقيا!

استيطان إسرائيلي من نوع خاص فـي إفريقيا!

جواد البشيتي

جواد البشيتي
كاتب فلسطيني ـ الأردن

■ إسرائيل فقيرة بالمياه العذبة؛ وهي في الوقت نفسه مهتمة بتطوير إنتاجها الزراعي، مع أنَّ الزراعة (التي كانت القاعدة الاقتصادية للاستيطان اليهودي) هي المستهلك الأكبر للمياه العذبة.

في حرب 1967، استولت إسرائيل على منابع مياه نهر الأردن في جبل الشيخ؛ وظلت تطمع في مياه نهر الليطاني اللبناني التي يذهب معظمها هدرا في البحر؛ كما ظلت تطمع في مياه النيل في دولة المصب مصر التي لم تٌلبِّ طلب إسرائيل نقل بعض من مياه النيل قبل أن تصب في البحر المتوسط إلى أراضيها؛ إلى صحراء النقب لجعلها، أو لجعل بعضها، صالحا للزراعة.
الآن، وبدلا من ذلك، ذهبت إسرائيل إلى منابع النيل، مساعدة في إقامة السدود ومشاريع الري؛ وسيترتب على ذلك حتما خفض منسوب مياه النيل في مصر على وجه الخصوص مع ما ينتج من ذلك من مخاطر متنوعة على مصر. وإضافة إلى تحكمها في هذه المنابع، تتملك إسرائيل، أو تستأجر، مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، لتزرعها بكل ما تحتاج إليه غذائيا.
تستثمر إسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي في كينيا وأثيوبيا لزراعة الزهور التي تصدرها لأوروبا، وتجني من هذه التجارة سنويا أكثر من 300 مليون دولار. وهكذا أسست إسرائيل البديل الإفريقي من ري صحراء النقب بمياه النيل المصري.
إنَّ الجغرافيا تستبدُّ بمصر، بحاضرها ومستقبلها؛ فالنيل (الذي مصر هِبَته) يرفده نهران هما: «النيل الأبيض»، الذي تنبع معظم مياهه من بحيرة فيكتوريا، التي تتقاسَم حدودها أوغندا وتنزانيا وكينيا، و»النيل الأزرق»، الذي تنبع مياهه من بحيرة تانا في أثيوبيا؛ وهو الرافد الأهم للنيل؛ فإنَّ نحو 85 في المئة من المياه المغذِّية للنيل يأتي من «النيل الأزرق». وهذان النهران، أو الرافدان، يلتقيان بالقرب من العاصمة السودانية الخرطوم؛ ثمَّ يصب النيل في البحر المتوسط، فيذهب جزء كبير من مياهه هدرا؛ وكان هذا الجزء (المهدور) أكبر قبل بناء السَّد العالي.
حصَّة مصر من مياه النيل 84 مليار متر مكعب، وعجزها المائي 22 مليار متر مكعب؛ أمَّا أثيوبيا فحصتها 130 مليار متر مكعب، تُضاف إليها مياه 12 حوضا. وحُصَّتا مصر والسودان من مياه النيل (84 مليار متر مكعب) تعدلان أقل من 5 في المئة مِمَّا يسقط من أمطار على دول المنبع.
من بحيرة فيكتوريا التي تقع في أراضٍ غير عربية، هي أراضي أوغندا وتنزانيا وكينيا، ينبع معظم مياه النيل الأبيض الذي يرفد النيل. ومن بحيرة (تانا) تقع في أرض أخرى غير عربية هي أثيوبيا، ينبع النيل الأزرق الذي منه يأتي نحو 85 في المئة من المياه المغذِّية للنيل.
أثيوبيا الآن، ولبناء «سد النهضة»، المولِّد للكهرباء مستقبلا، شرعت تُحوِّل مجرى النيل الأزرق؛ والسعة التخزينية لهذا السَّد 74 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ حصَّة مصر (التي عجزها المائي الآن 22 مليار متر مكعب) ستتضاءل، كما سيتضاءل إنتاج السِّد العالي من الطاقة الكهربائية.
وبناء «سد النهضة»، الذي لا ريب في إضراره بالأمن المائي لمصر، وبأمنها القومي والاستراتيجي، لا يمكن إدراجه إلا في سياق سعي استراتيجي لإضعاف مصر، ولإعلاء بنيان «إسرائيل العظمى»؛ فيد إسرائيل، التي ستُحْكِم قبضتها على كهرباء السَّد، إنتاجا وتوزيعا، في بناء هذا السَّد مرئية لكل من له عينان تُبصران.
هذا السَّد، وبما يتمتَّع به من أهمية كهربائية وزراعية ومائية، وبما يتسبَّب به من إضعاف لمكانة مصر الاستراتيجية، سيكون نقطة انطلاق لمزيد من النفوذ الإسرائيلي في القارة الإفريقية التي أهملها العرب بما جعلها تطلب مزيدا من هذا النفوذ.
وإنَّه لَمِنَ الوهم القاتل لصاحبه، وهو العرب، أنْ يُنْظَر إلى الصِّلة الاستراتيجية المتنامية بين إسرائيل وأثيوبيا على أنَّها أمْرٌ عابر مؤقَّت؛ فأثيوبيا لديها من المصالح والأهداف الإقليمية ما يشدِّد لديها الميْل إلى تحالف استراتيجي دائم مع إسرائيل، التي قد تطور وجودا عسكريا لها في أثيوبيا، وحَوْل «سدِّ النهضة» على وجه الخصوص، يدرأ عن أثيوبيا وسدها هذا مخاطر عسكرية خارجية، مَصْدَرها المتضرِّر الأكبر من بناء هذا السَّد، وهو مصر.
هذا السَّد، وبسعته التخزينية الهائلة هذه، يجب ألاَّ يُبْنى؛ لأنَّ ضربه بعد اكتمال بنائه سيكون له تأثير كارثيٌّ على السودان ومصر؛ وينبغي لمصر ألاَّ تَثِق بمزاعم أثيوبيا؛ فالسَّد بنفسه يُنبئ مصر بمخاطره (الواقعية).
إفريقيا سوق واسعة وتزداد اتساعا للأسلحة وسائر المنتجات العسكرية الإسرائيلية؛ ومن طريق بيع الأسلحة ينمو مخزون إسرائيل من القطع النادر.
مع السلاح يأتي مدربون وخبراء إسرائيليون، ويتسع ويتوطد النفوذ الإسرائيلي في القوى والأجهزة العسكرية والأمنية الإفريقية. وعبر المستشارين العسكريين والأمنيين لرؤساء الدول يصل النفوذ الإسرائيلي إلى رأس الهرم في السلطة.
وتبدي إسرائيل اهتماما عسكريا وأمنيا كبيرا بأثيوبيا وإرتيريا. وهي تقيم لها منشآت عسكرية مهمة في الجزر والموانئ وعلى السواحل وعلى قمم الجبال؛ وتقيم مراكز أمنية واستخباراتية تتولى المراقبة وجمع المعلومات؛ ويتركز هذا الاهتمام في منطقة مضيق باب المندب. وتستخدم إسرائيل مواطنيها من الأفارقة (الفلاشا مثلا) في توسيع نفوذها متعدد الوجه في القارة السوداء. ولإسرائيل أهم قاعدة بحرية في الخارج في إرتيريا. وللوجود العسكري الإسرائيلي مختلف الشكل والمتعاظم في بعض الدول الإفريقية مهمات عدة لعل أهمها: إحباط أي عمل عسكري ضد السدود والمنشآت المائية، والإبقاء على مضيق باب المندب مفتوحا أمام السفن المتجهة إلى ميناء إيلات أو المغادرة له، ومعاونة دول إفريقية ضد «الإرهاب الإسلامي». ■

إلى الأعلى