الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار.. طلة همدان الجغرافية

باختصار.. طلة همدان الجغرافية

زهير ماجد

زهير ماجد
كثيرون لجأوا إلى خريطة إيران بحثا عن موقع مدينة همدان التي شغلت الأوساط العسكرية والإعلامية والسياسية، ومن المحتم أن العسكريين هم الأوائل في البحث، فالعسكري ابن الجغرافيا أكثر من غيره، وقد كان الرئيس الفرنسي شارل ديجول لا يتحدث في السياسة إلا وكانت الخرائط الجغرافية أمامه، وأذكر أن الزيارة التي قام بها الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله قبل عامين تقريبا، كانت الخرائط أمامهما تتكلم وتحدد، فهيكل من ذاك الأقرب لعقل ديجول في تحديد السياسة من خلال الجغرافيا .
أنا بدوري ذهبت إلى خريطة إيران أبحث عن موقع المدينة التي شغلتنا، إذ ليس من الممكن أن نفهم أبعاد اختيار الروسي لهذا الموقع بدون معرفته على طبيعته الجغرافية، وإن كان الأمر هنا للسياسة أولا من بابها العريض الاستراتيجي، فالروسي والإيراني يصنعان صورة صفعت الأميركي وغيره من أولئك الذين يتفاجأون، وإن كان الأوروبي قد قرأ العنوان الأولي، وربما استشعرت إسرائيل التي تهتم قبل غيرها بالمغزى العميق لهذا التطور بين روسيا وإيران .
صحيح أنني فهمت المسافات بين همدان ومحيطها وأبعد، لكني قرأت مصطلحا جديدا عمره من عمر الحرب على سوريا، لكنه تطور بحكم المستجدات على الساحة السورية إلى أن وصل إلى ما يشبه إغلاق ملفه على حقيقة مفادها أن خط الطيران الذي برز مؤخرا بين موسكو وهمدان وصولا إلى سوريا، هو تعبير نهائي لواقعية موجودة، صار بالإمكان إثباتها اليوم .
عندما انشغلنا بـ”حميميم” وذهبنا يومها إلى الخريطة السورية، كنا نتابع ترجمة لواقع هذه هي حقيقته، إضافة إلى أن دولة عظمى كروسيا أعلنت في تلك اللحظة أن سوريا خط أحمر وأنها ملتزمة بها التزامها بالدفاع عن موسكو وحتى بالقتال من أجل عاصمة الروس. يومها فهم من لا يريد أن يفهم أن غيروا من استراتيجياتكم تجاه حقائق سوريا الثابتة: وحدة أراضيها ثابتة ليس لها أي نقاش، والرئيس الأسد ثابتة أخرى، والجيش الروسي محكوم بوحدة مع الجيش العربي السوري الذي سيكون له دور متجدد في عالم القتال المختلف .
لم يكن ليتوقع أن تكون النقلة الاستراتيجية الأخرى موقعا في إيران، هو تشكيل إضافي لوحدة هذا الثلاثي الروسي السوري الإيراني في معركة الوجود السورية التي ليس بعيدا عنها وجود روسي وآخر إيراني. والحقيقة التي يجب أن لا تغرب عن بال، أن روسيا وهي تحرك طائراتها العملاقة من همدان، تعني الكثير بالنسبة للمرحلة الحالية والمستقبلية، فالإيراني ينتصر للجغرافيا، كما ينصر التاريخ، فما بين إيران وروسيا والصين أيضا، إنهم مطارح لحضارات عميقة، جاء الوقت وحان للتعبير عنه في وجه أصحاب “حضارات” ظهرت منذ سنين قليلة وعالمها ليس من ذلك العالم الغني بروحه .
لمن لم يقرأ همدان جغرافيا حتى الآن، ليستعد لقراءة كثيرها خلال المرحلة الحالية وربما القادمة. إنها كتابة معنى ترسلها سماء همدان مع كل طائرة تقلع لتضرب الإرهاب أينما كان وليس فقط في دير الزور. همدان اليوم عاصمة حلف يتهيأ ليكون أبعد من محطة طيران عسكري، وغدا لناظره قريب .

إلى الأعلى