السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “هبّات ترامب”

“هبّات ترامب”

د. محمد الدعمي

أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي

سبق أن لوحظ، في مقالات سابقة، استثمار السيد “دونالد ترامب”، المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، لكل ما يقلق ويهم الجمهور الأميركي على سبيل استثماره من أجل تحقيق طموحه بالبيت الأبيض: لذا نلاحظ استثماره للحساسيات العنصرية بين البيض والسود في هذه المرحلة الملتهبة، وتوظيفه لذات الحساسيات الإثنية المضادة للغزو السكاني المكسيكي (من الأيادي العاملة الرخيصة) لسوق العمل الأميركي، زد على ذلك “لعبه” على وتر الكراهيات الدينية بقدر تعلق الأمر بالمسلمين وبالشرق الأوسط، خاصة.
في الحال الأولى قدم ترامب ذاته، رمزًا آريًّا، للبيض من طوال القامة، درجة استحالة تسريحة شعره الأصفر (في الإعلام) رمزًا للأنجلوساكسونية، وفي الحال الثانية وعد ترامب بوقف التدفق السكاني المكسيكي إلى الولايات المتحدة عن طريق “بناء جدار” على الحدود على أن تتحمل حكومة المكسيك أجور إقامته، أما في الحال الأكثر اتصالًا بنا (مسلمين من الشرق الأوسط)، فقد أعلن ترامب أن “داعش” هي شبكة إرهابية من تأسيس الرئيس أوباما، بتعاون مع منافسته الديمقراطية، السيدة هيلاري كلينتون. وبرغم إعلانه فيما بعد، أن ذلك لم يكن سوى ضرب من التهكم، فإنه سبق أن أماط اللثام عن عدائيته للمسلمين وللإسلام عامة عندما دعا إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأميركية، متجاهلًا “صداقات” و”تحالفات” واشنطن الاستراتيجية مع الدول الإسلامية في الشرق الأوسط خاصة. وإذا كان هدفه من هذا النوع من الإعلانات العدائية هو تعبئة عواطف الجمهور الأميركي ضد الشبكات الإرهابية كي يمتطيها بطريقة ملتوية تصب في غرض انتخابه، فإنه سرعان ما أماط اللثام عن تفكيره في استثمار دول الخليج العربي الغنية بالنفط من خلال إعلان “انفجاري” متحامل جديد، وهو: أن على دول الخليج العربي أن تدفع المال للولايات المتحدة مقابل ادعائه بأن الأخيرة “تحمي” هذه الدول، وبطريقة لا تخلو من دناءة ذهنية رأس المال الوحيدة الجانب. وبكلمات أخرى، فقد تجاهل السيد ترامب الأسباب الاستراتيجية للوجود الأميركي بمنطقة الخليج، مقلصًا ذلك الوجود بهدف واحد. وهكذا تجاهل السيد ترامب مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا عامة، ناهيك عن مصالحها في شمال إفريقيا. وجميع هذه المصالح تدفع وتتواشج بقوة مع الوجود الأميركي في الخليج العربي.
أما السؤال الأهم في هذا الجدل المبتور والمشوه الذي بثه ويبثه هذا الرجل، فيتخلص في استثنائه “إسرائيل” من المظلة الأميركية في هذا الإقليم الملتهب: فهل يحاول ترامب أن يوحي بأن الوجود الأميركي في الخليج العربي وعبر الشرق الأوسط لا صلة له بحماية الدولة العبرية؟ لا ريب بأن الأمر ليس كذلك، لأنه يدرك جيدًا أن واحدًا من أهم أهداف الوجود الأميركي في الإقليم هو حماية ما أطلق هو عليه “حليفنا الأساس”، في الشرق الأوسط، أي إسرائيل. ولا يدري المرء هل سيطالب ترامب بـ”مقابل” مادي حيال الحماية التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل. ثمة بعد مقلق في هذا النوع من “الهبّات الترامبية” التي تزيد من توسيع الشرخ الذي تسبب به هذا الرجل حتى في بنية الحزب الجمهوري الذي يدعي تمثيله.

إلى الأعلى