السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “التفكير العلمي وصناعة المعرفة” .. يرقى بالمجتمعات ويقود الأمم نحو النهضة والتقدم

“التفكير العلمي وصناعة المعرفة” .. يرقى بالمجتمعات ويقود الأمم نحو النهضة والتقدم

ضرورة ملحة في أي مجتمع معاصر

القاهرة ـ من حسام محمود:
أصبح التفكير العلمي على مستوى المجتمعات البشرية الآن ضرورة ملحة لا غنى عنها في أي مجتمع معاصر يريد أن يلحق بركب البلدان المتقدمة والمجتمعات الراقية بدلا من ارتضاء العيش في دوائر الظل والتخلف والعوز التي يعبر عنها الاقتصاد المتراجع والعلم الشحيح في الدول النامية والفقيرة. ولعل الركود الفكري سبب رئيسي في جمود الابتكارات والمخترعات وهروب العلماء للخارج بينما الأبحاث العلمية هي الطريق الأمثل للرقى الحضاري والتقدم الاقتصادي. وتحتاج المنطقة العربية إلى كشف الجهل ودرء قلة المعرفة عن الشعوب والجماهير وحتى المسئولين في العديد من أقطار المنطقة لأن من يقبع مع زمرة الجهل يكون تابعا لمن سبقه إلى دائرة العلم والمعرفة لذلك نجد أن البلدان الكبرى قد فطنت إلى الأهمية القصوى لتشجيع التفكير العلمي المدروس والبحث والتنقيب عن المعلومات والاكتشافات التي تفضي إلى الرقى وصناعة النهضة والتنمية المنشودة.

التفكير بالمعرفة
أصبح من المألوف في الدول المتقدمة سماع تعبيرات متداولة يتم تنفيذ ما تقتضيه من خطوات على أرض الواقع تتعلق بالتخطيط الاقتصادي والإدارة بالأهداف والتخطيط الاجتماعي ودعم الأبحاث العلمية وتعزيز الاكتشافات بتطبيق مقومات تنميتها ودعمها ماليا وتقديم كل العون للمخترعين من خلال مؤسسات تلك البلدان الكبرى التي وضعت العلم كوسيلة للتقدم والإصلاح ونور المعرفة كأداة مثلى لتحقيق النهضة المرجوة في كافة المجالات. إن المعرفة هي طريق النجاح الأمثل للأمم نحو حصد مقومات التفوق في غالبية قطاعات الإنتاج والتعليم والصحة وغيرها وهى المحصلة الايجابية لإعمال العقل والمنطق في نهج الحياة بحكمة وواقعية واحترام لقيمة العقل والعلم. وما بين المسافة الفاصلة بين عالم الضرورة وعالم الحرية تنبع من مكنونات العلوم إرهاصات الفكر نحو الثقافة والإبداع والأخلاقيات والفنون إن صلحت النفوس حيث تقام الفضائل وينفر الجميع من الشرور والدسائس. لكن على الجانب الآخر بين ظلمة الجهل ونور العلم تسير حركة الفكر لتنقية الأهواء والأهداف المجتمعية حيث تكون المعرفة محركا نحو تهذيب الأخلاق ومحو ظلمة التخلف لو استثمر العلم في صالح الخير والحق والعدل بينما لو تحول العلم نحو الشر لأغراض دنيئة يكون طامة كبرى على صاحبه مثل ما تمارسه بعض الفئات من معدومي الضمائر من استغلال العلوم في أهواء رخيصة لتحقيق أرباح ومكاسب تتسم بالفساد بكل صوره. ولعل طرق التفكير تتعدد ألوانها ومعطياتها حسب الشخص والمجتمع والبلد وحتى مرورا بسياسات الحكومات والحاكم ذاته. وقد اهتم العلماء والمفكرون والكتاب بسرد أشكال متباينة من أساليب التفكير التي تشمل التفكير السريع بسرعة البديهة لمعالجة أمر طارئ مما يستلزم اتخاذ القرار للإصلاح دون تردد. وكذلك هناك التفكير العميق الذي يستلزم دراسات متأنية ومستفيضة مثل تحديد ورسم المستقبل للفرد ولمشروع في دراسة معينة أو السعي نحو مكانة ودرجة علمية ومرورا بوضع موازنة مالية للأسرة وكذلك بسياسات الحكومات خلال عام وموازنتها السنوية وقرارات الحكام التي تنطوي على مشروعات قومية تستلزم الدراسة وتوخي الحيطة وحسن التدبير للأمور. وتوجد أيضا مجموعة من ألوان التفكير الشخصي والعام التي تتميز بأنواع شتى من إعمال الذهن والعقل كالقرارات التي تندرج بعد أحاسيس ومشاعر إنسانية عاطفية كأعمال الخير والبر وكذلك الخطوبة والزواج وحتى الانفصال والطلاق.

ممارسات الفكر
لعل غالبية خبراء علم النفس يفضلون الروية من الناس في اتخاذ قراراتهم ولو للحظات حتى لا تكون بداية لمأساة ولتجنب الوقوع في أخطاء قد تكون عواقبها وخيمة على الفرد وكذلك على الأسرة وربما المجتمع. وليس التفكير العلمي قاصرا على فكر العلماء وطرق معالجتهم للدراسات والأبحاث التي تنطوي على كميات غزيرة من المعلومات ولكنه يتضمن حتى الأفراد العاديين في اتخاذ قراراتهم وتصديهم للأمور التي قد تطرأ على حياتهم فالبعض يعالج المشكلات ببساطة ويسر وبلا انفعال وتعصب وهذا هو الأفضل خلال التعاملات حتى تتسم القرارات بكونها صحيحة وبناءة ومثمرة حيث يحظى صاحبها بالحكمة وباحترام وتقدير الناس. بينما لو كانت روح صاحب المشكلة والقضية تتصف بالانفعالية والتسرع دون روية ولو للحظات كان كمن يقامر بالموضوع ككل وقد يصادفه التوفيق لكن الغالب أن التسرع يطيح بقراره بعيدا عن الصواب فيخسر قضيته. ولهذا فمن البديهي أن تكون الروية صفة رجال المباحث والقانون وكذلك الأطباء مع تحليهم بالصبر وحسن التعامل مع مستجدات المشكلات حتى لا تفاقم القرارات الخاطئة الأزمات وتحولها لمعضلات صعبة الحل. ويجمع العلماء على أن التفكير العلمي هو الذي قاد المجتمعات في العالم نحو الثورات التكنولوجية والصناعية وحقق مكاسب كبيرة للكثير من الدول خاصة في الغرب وهو يقوم بالأساس على النظرة الموضوعية للأحداث ومعالجتها بشكل مستفيض يقود نحو البرهان المقنع والاعتماد على العقل في اتخاذ القرارات بحكمة وتريث وثبات انفعالي. ولعل هذه الطرق رغم ما كتب عنها من دراسات أكاديمية أحيانا يجدها الناس لدى بعض العامة ممن لم يحصلوا على شهادات دراسات عليا أو درجات علمية لأنهم تعلموها من تجارب الحياة وأمواجها المتلاطمة التي خلفت لديهم رصيد من الخبرات الكبيرة التي تكون أكبر مما هو موجود في الكتب والدراسات والمصطلحات الجامعية. وتلك ظاهرة يتحسسها المرء ويستشعرها في حكمة العديد من التجار ورجال الصناعة الكبار بسطاء التعليم ولدى العصاميين من قدرتهم على إدارة دفة أمور حياتهم بل والأسواق من حولهم عبر قرارات تتصف بحكمة عميقة اكتسبوها من دنيا الحياة بلا حاجة لدراسات بعينها.
كتاب “التفكير العلمي وصناعة المعرفة” تأليف الدكتور على حبيش والدكتور حافظ شمس الدين عبد الوهاب، الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب

إلى الأعلى