السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الشعوب الأوروبية تتمرد على الاتحاد الأوروبي

الشعوب الأوروبية تتمرد على الاتحاد الأوروبي

د.أحمد القديدي

د.أحمد القديدي
كاتب تونسي

أكدت أحداث انفصال المملكة البريطانية عن الاتحاد الأوروبي أن للشعوب منطقا مختلفا تماما عن منطق الحكومات وأن مصالح الناس العاديين (الناخبين) ليست هي ذات مصالح النخب الحاكمة وهذا الاستنتاج هو أول درس يجب استخلاصه من الحدث الذي زلزل أركان أقوى اتحاد إقليمي عرفه التاريخ الحديث. فكيف يقيم المواطن البسيط أداء الاتحاد والفائدة التي حصل عليها من انتماء بلاده إلى هذه المجموعة؟ هذا السؤال تبارى المحللون وعلماء الاجتماع والسياسة في الإجابة عليه واتفق أغلبهم على أن الرأي العام السائد هنا في أوروبا هو أن الدول التي ينتمون إليها لديها هوية ولديها تقاليد ولديها مصالح وهذه الخصوصيات ضاعت لأنها ذابت في كتلة ضبابية هلامية غامضة الملامح بعيدة عن روح الأمة التي ولدوا ونشأوا وعملوا فيها عقودا طويلة فكان شعور الأغلبية من الشعوب شعورا بالرفض الغريزي لكل ما يشوه في نظرهم صفاء الهوية التي تعودوا عليها فالفرنسي مثلا يشعر أن دولته تقلصت لحساب شبح كبير ومجهول يسمى الاتحاد الأوروبي ثم إنه فقد قدرته الشرائية بشكل كبير ومزعج والخبزة التي كان يشتريها بفرنك (عملته الوطنية) أصبح يشتريها بيورو (عملة الاتحاد المشتركة) أي تضاعف سعر الخبزة ست مرات ونصف. و الأمر نفسه بالنسبة لكل حاجياته الأساسية من مأكل ومشرب ودواء وملبس. وتبين في ظل هذه الأزمة أن دافع الضرائب في كل الدول الأعضاء أدرك أن الاتحاد بهياكله الثقيلة و إداراته المتعملقة أصبح تنينا مخيفا يأكل الأموال المدفوعة بقوة القانون بسبب توظيف جيش كامل من الكوادر البيروقراطية وعددهم خمسة و ثلاثون ألف موزعين بين بروكسل وستراسبورج و 60 دولة في العالم في شكل سفارات مستقلة: جيش عرمرم من الموظفين والنواب البرلمانيين والدبلوماسيين وخبراء النقد في المصرف الأوروبي المركزي و فروعه يتقاضون رواتبهم الضخمة من موازين الدول الأعضاء. ويرى المواطن أن القوانين والإجراءات التي يتحمل هو تبعاتها لا تنبع من حكومته التي انتخبها بل من هياكل الإتحاد التي لم ينتخبها و لا يعرفها.. الى جانب هذا الشعور يتنامى مع الزمن و أحداثه القريبة نفور عام من القرارات الاتحادية المتسرعة و التي يرفض المواطن أسبابها ونتائجها من ذلك مثلا قرار ضخ حوالي 64 مليار يورو من موازين الدول الأعضاء لإنقاذ اليونان من الإفلاس ومنعه من مغادرة الإتحاد و هذه المبالغ الضخمة تحملها بشكل مباشر المواطن الأوروبي وخاصة المواطن الألماني الذي يعتقد عن حق أن بلاده الغنية والكادحة والناجحة أصبحت كالبقرة الحلوب تقدم لبنها لشعب يوناني يتهمه أغلب الألمان بكونه شعبا لا يتحمل الجهود الصعبة والتضحيات الضرورية لإنقاذ اقتصاده من الإنهيار. وفي سجل مختلف يعتقد المواطن الأوروبي أن توسيع الاتحاد من 6 أعضاء في السبعينيات إلى 10 في الثمانينيات إلى 20 في التسعينيات وصولا إلى 28 عضوا اليوم هو أمر ارتجالي وغير مدروس ويتساءل بعض المواطنين الأوروبيين حسب استطلاعات الرأي عما يربط بين دولة مالطا وهي جزيرة مسيحية متواضعة القدرات والطاقات في البحر الأبيض المتوسط وبين ألمانيا رابع قوة اقتصادية وتصديرية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان !!! وماذا يربط بين نصف قبرص اليوناني الأرتدكسي و بين فرنسا التي كانت القاطرة التي تقود الاتحاد و تتحمس لبقائه لأنه صنيعتها. ثم إن قضيتين حارقتين لم تجدا حلا في رأي أغلب الأوروبيين وهما قضية الهجرة وتشغيل المهاجرين بعد تفاقم ظاهرة النزوح المليوني من الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا لأن أوروبا في الحقيقة فوجئت بهول الفاجعة الإنسانية ولم تكن مستعدة لا بالقوانين ولا بحراسة الحدود لإحتواء هذه الأعداد الهائلة من العائلات والشباب البؤساء الذين ألقت بهم قوارب الموت على الحدود الأوروبية وبخاصة اليونان وإيطاليا فكانت ردود الفعل المتسرعة الانفرادية ضربا من القرارات العشوائية لم يقع فيها أي تنسيق بين الدول الأعضاء. ويرفض الأوروبيون أن تفرض عليهم (كوتا) من المهاجرين يجبرون على إيوائهم لأسباب تعود إلى السياسات الداخلية الباحثة عن الناخبين والتي شهدت هنا وهناك صعود أحزاب اليمين العنصري المتطرف إلى البرلمانات والحكومات ثم إن طبيعة الثقافات الاجتماعية في هذا البلد أو ذاك هي ثقافات متنوعة وذات جذور مسيحية عريقة لا تقبل بيسر ادماج أعداد جديدة من غير المسيحيين في مجتمعاتها خاصة والرأي العام هنا يعتقد أن الإرهاب هو وليد هذه الادماجات الفاشلة والسياسات الخارجية الأوروبية المتميزة بالتدخل العسكري في أزمات الشرق الأوسط وإفريقيا كما وقع في الماضي ولايزال يقع في سوريا وليبيا والعراق ومالي وافريقيا الوسطى والساحل الإفريقي. أما القضية الثانية الأخرى فتتعلق بفرض الاتحاد على الدول الأعضاء إعطاء الأولوية لتشغيل الكوادر الأوروبية على حساب تقاليد هذه الدول وعلاقاتها التاريخية فعلى سبيل المثال يفرض الاتحاد على فرنسا أن تنتدب الطبيب الروماني والبولوني قبل الطبيب المغاربي ووجه العبث هنا أن الطبيب الروماني والبولوني لا يتكلم الفرنسية مثل الطبيب التونسي والجزائري والمغربي بالإضافة إلى أنه خريج مدارس طبية مختلفة بينما الطبيب التونسي مثلا هو فرنكوفوني وخريج المدرسة الطبية الفرنسية وأقرب لطبيعة المواطن الفرنسي من ذلك الأوروبي جغرافيا والغريب حضاريا. هذه بعض أسباب التمرد الذي يعلنه المواطن ضد حكوماته وهو تمرد يتسع تدريجيا ويوميا ليوجه الاتحاد الأوروبي وجهة أخرى لعلها أصلح و أقدر على البقاء .الأخطر في المستقبل أن تنفصل سكتلندا وايرلندا عن المملكة المتحدة لأنهما ترفضان الانسلاخ عن أوروبا و في هذه الحالة لا يتغير التاريخ فحسب بل الجغرافيا أيضا.

إلى الأعلى