الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ

تساقط

محمد بن سيف الرحبي

قيل لي أركض، وركضت..
وكانت الساق تدفع بالساق إلى أقصى حركتها.
اجتزت ساقية الفلج في غمضة خوف، قفزت، كعجل مندفع لا يلوي على شيء ركضت وقفزت، وأنا أسمع صوته يدفعني أكثر، “أركض”، لم أتبيّن من كان وراءنا، لكني أحس لهيب صوته يصرخ في أذنيّ، حرائق سوطه تندفع في جسدي..

سألني والدي بغضب يحاول حبسه قبل اندفاع الخيزران في يده على الجسد الغض: هل صحيح أنكم قطفتم لمباة ود حمد؟
شرحت له باكيا ما فعلته الريح في غصنها المثقل بثماره، تهاوى فأصبح ما جادت به الريح من حقنا، هكذا هو شرع الطفولة يا أبتي، ما يتساقط نحو الأرض فهو لنا.
لكني تساقطت وجعا إذ السوط يضع أبجديته على جسدي، أينما شاء، تحررت من الألم بعد أيام، ولم يزل مذاق الأمبا في فمي.

كانت ساقية الفلج أمامي، الساقان لا يستجيبان لأي كلمة “أركض”، لأن الذاكرة أوهى من أن تتلقفها، وعندما تلبّسني الماضي العتيق حاولت أن أقفز من فوق الساقية، القدم اليمنى تركت شقيقتها اليسرى باتجاه الجدول الأسمنتي الآخر لكن خانتها مترددة، وبقيت متعلقة لحظة فوق الماء فهوى الجسد مترنحا، وكانت اليدان تدفعان القنطرة تمسكا بالحياة..
يقاوم جسدي اندفاع الماء تحت القنطرة، وفاض على جدولي الساقية، قاومت وجعي وسقوطي، للماء صوت، وللحنين سوط، ربما بكيت، لم أتبين الأمر جيدا حيث الماء يغمر الوجه، يمنعني حتى من النظر إلى لمباة ود حمد، لم تكن في مكانها، سنوات تيبست فيها جذورها، تساقطت ركنة ركنة، وتساقطنا سويا.
في الطفولة انسللت من تحت القنطرة جيئة وذهابا، لكن جسدي يكاد يفرّ مني لينسلّ وقد تساقط جذعه.

سمعت صوتا بلكنة غريبة يقول لمن يسمعه، ولا أراه، “أركض”.. وسمعت وقع أقدام تتباعد، هدأ صوت الماء كالذي سمعته في زمن ما، قريب / بعيد، أين ذهبت القنطرة؟ لا أدري، لكني شعرت ببضع أياد تحملني، لغط لغة تخطّ على سمعي كلمات لا أفهمها، لم يعبر الدرب إلى سقوطي إلا هؤلاء الغرباء، تبينت أنهم سحبوني من تحت القنطرة الإسمنتية بعد أن خارت يداي عجزا تدافعان عن إنجرافي أسفلها.. لم يعد بوسعي أن أبكي، لا يليق بالرجال البكاء في حضرة الغرباء.

قلت لراشد ونحن نسير بسيارته البيك اب في وادي منصح أني أعرف الجبال حولنا، سرتها أتبع جدتي تحمل الخباط على رأسها، كانت سيارته تندفع في تراب الطريق مثيرة زوابع الغبار خلفها، لم يجبني راشد، فتى لم يبلغ سن الكلام بعد، تلقّف الحديث من والدي، وغالبت صمتي كثيرا، لكني أتذكر البيك اب، تركتها تبلع الشارع وأغذّ السير راكضا وراء جدتي، تقول لي “أركض” حينما اخرج عن نص الدرب الذي صنعه تواتر الأقدام، لو أني سرت بمحاذاة ذلك الدرب، مع مرور الوقت كنت صنعت دربي، صاحت بي “أركض” وركضت، مع أن الشوك ينغرس في قدمي الحافيتين، وكنت أسحبه بقوة وسرعة أراوغ الألم أن يبقى، والخوف أن يترسخ، وأركض باتجاه الدرب الذي سارت عليه جدتي.

في غيبوبة مارقة بين الصحو واللاصحو تنشقت غبار سيارة البيك اب في وادي منصح، راشد يضع يده على فمي يقول لي لا تتكلم، ما زلت الصغير يتعلق بسيارته، غمرتني أكثر من سبعين عاما دفعة واحدة، قاومت لكي أبكي فقط، لا حيلة لي بالصراخ، ما أجمل أن نبكي أنفسنا، ولو في لحظة غيبوبة تسير بين جدولي ساقية العمر.
في الليل كان يأتيني صوت بكاء مر وضجيج توجع، قالت جدتي إن “الليل ليس لنا” على جدول هذه الساقية رأى شامس جنازة جن، وتخيلتهم يمضون بها يبحثون عن قبر يشبه قبري.

رأيتني أتكيء على سبعين جرفا، كلها تتهاوى..
سمعته يقول لجدتي هذا حفيدك يا زيانة، يسير فوق التراب، وذلك إبنك غطّاه التراب، وهذا وذلك كل نخيلك موجوع لأنك غبت، ولأنه غاب، ضناك الذي تعرفه كل نخلة كما تعرفينها، يتكيء على وسادة مخملية لعل عامله البنجالي يأتيه بكف رطب يلقيه على وجهه فيرتدّ بصيرا.
رأيتني أفتح قبري، صلبة تربته، كم من عروق النخيل تداخلت، قطعت الكثير من الجذور لكن الأرض صلبة، وكلما هممت بسحب عرق بدا لي منغمسا في قعرها، وهنت يداي تسحبان وقبري لا يتسع لجسدي بعد، أريده قبرا فسيحا قريبا من نخل أبي وجدّي، راقبني هارون، البنجالي، وقال هات عنك أيها “الشايب”، وكان يسحب العروق بقوة، وكانت عروقي تنسحب من جسدي، حتى خلتني متّ، مع أني أتنفس رائحة كل هذه النخيل من حولي.

رأيتها زيانة، جدتي، تحلب بقرتها صباحا، ابنها (والدي) يضرب بحبل الطلوع نخلة فرض تطل على “الدرس” حيث تدور البقرة على عمود من شجرة ليمون، يلقي أبي العسقة تلو العسقة، وكنت أنفضها ليتساقط تمرها بحماسة من يريد إنجاز فرضه بأكبر سرعة ممكنة، تتعب طفولتي ولا يتعب أبي، والحليب يختلط بالماء تمخضه جدتي لبنا، وتتكوّن الدهانة تتراكم قطعا بالغة الصغر فتجمعها زيانة بيديها، تضعها مع دهانة الأمس وما قبله، تطلب الممرضة مني غسل يدي قبل تناول الطعام، أراني أزيح الذباب وما تساقط من أصابع جدتي المنغمسة تسحب الدهانة، أبتسم، وتخالني الممرضة أبتسم لها، كأنها ترى شقاوة معتّقة تتلالأ كما الدهانة في صفرية اللبن.
- تعرفي زيانة؟
- من زيانة؟ ممرضة أو أحد من أهلك؟
- جدتي.
ضحكت، ومضت تضحك.. وغالبت دموعي، زيانة تركتني كأول المنسحبين من حولي، لم تسقني اللبن هذا الصباح، ما يأتوني به لا يشبه لبن زيانة أبدا أبدا.
أراني أضع تمرة الفرض في إناء اللبن، تصرخ جدتي محتجة، لكني أمصّ التمرة وأضحك، وتراني الممرضة أبتسم، فتكاد تغالب دمعها.

يهبط جدي من نخلته، يهبط أبي من نخلة أخرى، وأعجز أن أنزل قدمي من سرير أبيض، تسألني الممرضة بابتسامة طفولية: وين رايح جدي؟!
أشعر أني شخت كثيرا، في صوتها انسحب العمر مئات السنين، ولم أر قبري، ولا بقرة جدتي ينز الحليب من ضرعها، أصابعها تنغمس في الخلطة العجيبة تخدع العجل المولود يشرب منه مقابل أن يترك ضرع أمه لنا، أصابعها لا تشبه أبدا، أبدا، أصابع الممرضة الضئيلة وهي ترتدي قفازها الناعم كلما لامست يدي تدفع إبرة أخرى في خشونته.

كانت الساقية تحت مرمى قدمي إذ أقفز لكني لم أفطن إلى عجزهما عن قياس المسافة جيدا بين الضفتين، لذلك سقطت، حساب المسافات يختلف بين زمن وآخر، أمامي دكان خلفان بن عبدالله، بداية السوق، انتبهت لنفسي أنني أهذي، تساقطت الجدران ومعها غالبية الباعة والمشترين، الماء يجري في ذات الساقية، غير آبه، لا تتذكر السواقي من قفز في غمضة خوف ومن سقط في لحظة نزق، كانت الممرضة تردد من بين كلمات لا أتبينها في العتمة التي أسير إليها بسرعة “أركض”، وكانت الأقدام تتدافع فأشعر ببشر يحيطون بي، أياد عدة على مساحات جسدي، أنظر إلى قبري يصرخ فيّ “أركض”، هارون البنجالي لم يكمل انتزاع العروق من الحفرة التي لا تريد أن تتوسع كما ينبغي.
لكني أحسست بمن يضعني فيها، ويداي لا تصل إلى الجذور، لكنها حتما تحت جسدي، أشعر بطمأنينة غريبة، رائحة ثمار لمباة ود حمد أشمّها كأنها سقطت للتو، وراشد يثير الغبار بسيارة البيك أب في طريق وادي منصح، ولا يلتفت لي، وصوت من بعيد كأنه الهاوية يقول لي “أركض”، لكن المسافة بين عامدي الفلج تتسع كمحيط هائل..
ولا أسقط.

إلى الأعلى