الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / وصف الهجن في قصيدة الشاعر ناصر الغيلاني

وصف الهجن في قصيدة الشاعر ناصر الغيلاني

رؤية ـ عبدالله بن سعود الحكماني :
تطالعنا مجلة عالم الهجن العمانية العدد الأول في نوفمبر/ديسمبر 2014م بصفحة القوافي قصيدة للشاعر ناصر الغيلاني والتي حازت على جائزة أفضل قصيدة في وصف الهجن بمهرجان سويحان لعام2014م بإمارة أبوظبي والقصيدة تستحق الجائزة وأكثر لما فيها من قوة شعر أولا ومن معرفة واسعة بمجال الهجن ثانيا، فسأتطرق إليها في هذه القراءة العابرة والتي ستنقسم إلى أربعة أقسام ..

أولا:مدخل القصيدة:
تناول الشاعر في قصيدته المكونة من (20) بيتا وصف الناقة بصورة كبيرة وذلك لأن الموضوع في الأساس هو وصف للناقة إلا أنه لم يدخل مباشرة بل مهد لذلك بالأبيات الثلاثة الأولى.
ففي الييت الأول يقول :(ياحي الذي طبت وجالت على الميدان/محلية بين الأصيلات مفنوده) وطبيعي يبدأ الشاعر بالإعجاب والمتمثل في (يا حي) فالوصف ما هو إلا نتاج الإعجاب بالموصوف ، أما ذكره للأفعال التالية (طبت، جالت) فهو دليل على الدخول في الميدان ولايخفى على أحد أهمية الميدان بالنسبة للمنافسة.
ويأتي الشطر الثاني (محلية بين الأصيلات مفنوده) أي أنها تنحدر من سلالة عمانية وهي السلالة التي عرفت في الخليج والجزيرة العربية بنجابتها منذ القدم، وقوله: (بين الأصيلات مفنوده) كذلك تخصيص آخر لها من السلالات العمانية فهي من صفوة الصفوة بل (مفنوده) من بينهن أيضا.
جاء البيت الثاني في شطره الأول كتكملة للإعجاب ولكن هذه المرة إعجاب من الآخرين وليس الشاعر :(ذلول لها صفق ضمير العرب طربان) وفي الشطر الثاني بدأت التمهيدات تقترب من الوصف أكثر (تزين التراب …) وكذلك البيت الثالث بشطريه :(حي القبال،زول لها ، تبهر الشعر).

ثانيا: متن القصيدة أو الوصف:
بعد الأبيات الثلاثة يدخل الشاعر في موضوعه الأساسي وهو الوصف لذا نجده يستحوذ على (14) بيت من أصل (20) بيت ، وسنقسم هذا المتن إلى الآتي:
1 ـ أجزاء الناقة الموصوفة : ولأن الشاعر ناصر الغيلاني أحد أبناء البادية وأحد ملاك الهجن فلا نستغرب معرفته الواسعة بهذا المجال والتي تعاونت مع قوة الشاعرية حتى جاءت القصيدة في أفضل حلة. ومن أجزاء الناقة التي ذكرت للوصف :(خشم، رأس، أذن، عيون، جنوب، رقبة، معارف، العضا، الحشا، نحرها، جوف، الحريشا، باطها، الزور، سواعد، ذرعان، خف، أيادي، قوائم، عرقوب، ساق، حياب، غارب، الباهر، الوبر، سنام، ضامر،…الخ).

2 ـ صفات الناقة: كما نعلم أن صفات الناقة التي يتم بها الوصف أو المدح ليست في متناول الجميع بل من اختصاص أهل الخبرة بمجال الهجن ومن الصفات التي ذكرت في القصيدة:(القبال، طول رقبتها وسمكها، ملمس المعارف، خفة رشا، مليانة عضا، وسع النحر والجوف، الطول والعلو، الدرهام (السرعة دون النهائية)، دقة السواعد مزارة الذرعان ، عسيمة أيادي، قوية قوائم، مقوسة العرقوب، ممدودة ساق، ارتفاع الغارب ، طول الباهر، زاهية الشداد (ربما يقصد أن الموقع مناسب لوضع الشداد)، رفيعة سنام، نحيفة الضامر، لمعة الوبر، ضيق موقع المغرد وهو الراكب).

3 ـ الصور الشعرية :أغلب الصور الشعرية هي التشبيهات وسنذكر منها الآتي: (خشم شروى نصله جرها زفان، صفاوة عيون كنه الماء وسط فنجان، كن احمرار جنوبها بورس ممسوده، تبادى نحرها مثل باب بقصر سلطان، جوف كما قوس النصر، شدادها كنه التيجان، كن الوبر لمعة الدر …الخ). كما أن أدوات التشبيه تراوحت ما بين الفصيح والعامي :(شروى، كنه، كن، مثل، كما).

ثالثا:القفلة

بعدما دخل الشاعر في قصيدته بثلاثة أبيات على الوصف أراد أن يختمها كذلك بثلاثة أبيات أخرى وما هذا التنسيق الذي وصل حتى عدد الأبيات إلا دليل على تحري الدقة في كل مايخص القصيدة. وكما انبهر الجمهور في البداية بالتي (طبت على الميدان) كذلك انبهر في النهاية فأحال عليها الصدارة كما قال الشاعر: (عليها يحيلون الصداره قبل الاعلان) وأيضا (تثير الحماس وتذهل الجمع وتقوده) وهي تكملة للشطر الأول. أما بالنسبة للبيتين الأخيرين فهناك احتمالان:

الأول: يجوز أن يكون إشارة إلى موطن الاهتمام بالهجن وخصوصا عندما جاء ذكر (دار زايد) فالمعروف أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أولى الهجن اهتمام منقطع النظير في عصر ما بعد النفط كما فكرة ميادين السباقات الحالية تعتبر من أفكاره حسب ما سمعناه من أصحاب الهجن.
الثاني: يجوز أن تكون القصيدة كتبت من أجل المشاركة في المسابقة المطروحة لوصف الهجن في (دار زايد) لذلك أتى ذكرها وإن كانت بهذا الاحتمال إلا أنها تجاوزت المسابقة وأصبحت صالحة لما بعدها في كل مكان وزمان.

رابعا: نظرة عامة:
1 ـ الوزن والقافية: جاءت القصيدة على وزن بحر المنكوس والذي تفعيلاته:(فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) مع زيادة حرف في الصدر ويقابل هذا البحر من البحور الخليلية بحر الطويل وبالنسبة للقافية فجاءت القصيدة من ذات القافيتين علما بأن القصيدة النبطية تأتي على أشكال متعدده فمنها ذات القافية الواحده والتي تشترك فيها مع الفصيح والقافيتين والمثلوثة والمربوعة والمسبع و..و..الخ.
2 ـ المفردات: تزخر هذه القصيدة بالمفردات العامية الماخوذة من اللهجة العمانية المحلية وتحديدا مما يتعلق بمجال الهجن إضافة إلى المفردات الفصيحة وهذا ما جعلها في متناول الجميع .
3 ـ ثقافة الشاعر: بما أن لكل مجتمع ثقافته فالشاعر لديه كم ثقافي واسع ينهله من ثقافته الشعبية اضافة الى الثقافة الحديثة وما إلمامه بخصوصيات الهجن الا خير دليل على ذلك وهي جزء هام من الثقافة الشعبية للمواطن العماني.
4 ـ ناقة ناصر الغيلاني: بعد قراءة هذه القصيدة لابد أن يتساءل الجمهور هل هي ناقة السباق أم العرضة أم المزاينة؟!
ولعلمنا بأن الميادين في عالم الهجن تشمل الثلاثة إلا أن هذه القصيدة أقرب لوصف ناقة المزاينة وذلك لأن المزاينة تعتمد على الجمال في التنافس بينما السباقات تعتمد على السرعة وكذا العرضة على السرعة مع مهارة الراكب (الركبي).
وأخيرا ما هذه القراءة إلا مجهود متواضع في إحدى الروائع الشعرية للشاعر ناصر الغيلاني الذي لديه الكثير من القصائد الرائعة سواء المنشورة في ديوانيه :(سكة الشريان2006) و (سيف الحروف2015) أو المنشورة في الصحافة بشقيها :(الورقي والاكتروني). وتجربة كتجربة الشاعر ناصر الغيلاني في الشعر الشعبي يجب أن لا تمر مرور الكرام على النقاد بل يجب الوقوف عليها وقراءتها من جوانب عدة لما بها من ثراء.

إلى الأعلى