الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قرى عمانية وبلدان أخرى في “مرعى النجوم” لـ محمود الرحبي

قرى عمانية وبلدان أخرى في “مرعى النجوم” لـ محمود الرحبي

قراءة – محمد الراشدي
مجموعة من القصص القصيرة تضم مجموعة من القرى العمانية صورّها القاص محمود الرحبي في مجموعته “مرعى النجوم” بأسلوبٍ سَرَدَ من خلاله الأحداث الاجتماعية التي طرأت في تلك القرى معبِّرا فيها عن بعض أوصاف وملامح تلك القرى. كذلك؛ إن قيمة السرد القصصي للمجموعة أبان عن معلومات قيّمة عن بعض القرى يكتسب القارئ من خلالها إضافة جديدة ومعلومة مفيدة. سرور، روي، السيب، امطي، غرابة، جدرمانة، هندروت، إبراء، مطرح، فنجا، كمزار والمعبيلة؛ جميعها حظيت بمكانتها التي تناسب مقام القصة وبعضها تكرر في أكثر من قصة ولكن في مناسبة مختلفة. وعلاوة على هذه البلدان فإن المجموعة احتوت على أوصاف واسعة لبعض القرى التي لم يفصح الكاتب عن اسمها وربما ترك ذلك لتخيّل القاريء. كما أنه في بعض الأحيان يقوم الكاتب بسرد أحداث قصته لتوضيح التباين بين القرية والمدينة في بعض الأمور. القضايا الاجتماعية التي تدور في القرى كان لها وجود بوجود القرية ذاتها ولكن في هذا المجال سوف يكون لنا بعض الأمثلة عن القرى نفسها وكيف هي من خلال قراءة المجموعة. ففي القصة الأولى (ممر العربات) وهي أقصر قصص المجموعة ـ حيث لم تتعد صفحتين ـ ذكر القاص بما فيه الكفاية لقرية (سرور)؛ أهلها وبعض مقتنياتهم وعاداتهم، سوقها والدكاكين، والبيوت والأشجار، وبعض العادات، يقول: “الكبار كانوا يعرفوننا وكأنهم يقرأون بصمت صور آباءنا وأجدادنا من وجوهنا”.
في قصة أخرى (مسمار القيلولة) يترك سالم قريته (امطي) ليعيش في (السيب) كي يعمل في (روي) فهو أيضاً يجد في كل بلدة مراده الذي يحقق له أن يضع “.. كل شهر عند زوجته مبلغاً تستقبله وتفرح به كراتب شهري .. بعد أن يقطع قسط سيارته وإيجار شقته وما يقتاته من أكل في الشوارع”.
أما قصة “مرعى النجوم” وهو الاسم الذي اختاره الكاتب لمجموعته فقد ضمّت العدد الأكبر من البلدان التي كان لكل واحدة منها وضعه الخاص ومهمته لدى الكاتب من خلال الوصف. فقرية (غرابة) وهي التي تبدأ بها وتنتهي إليها مسيرة الراعي وهو بطل قصته الذي يخرج بشياهه من القرية نحو (وادي النجوم) وهو المرعى الذي سيمكث “فيه أيام الليالي البيض بنهاراتها وصمتها” وبمهارة فائقة يصف الكاتب المنطقة التي يعبرها الراعي بصحبة كلبه وأغنامه حيث يقول: “كان السرح القاحل ممتداً وتلتقي نهاياته الواضحة بالأفق، وباستثناء الأشجار الشوكية التي تنتصب معزولة عن بعضه، تنبطح تحتها ظلال قصيرة ونثار بعر يابس، فلا يوجد أثاث يذكر. حيث تنبو الصخور ذات الأغلفة الصفراء القاسية، وينام الغبار الذي لا يلبث وأن يصّاعد ثائراً إثر أدنى لمسة من قدم أو حافر. وتسمق الجبال برؤوسها المسننة التي أضاءت شمس الصباح، وفي صدورها تنفتح جروف أزلية، كأنما مخابئ للظلال، حيث ترى أعماقها مظلمة حتى في قيض الظهيرة.” أما مرعى النجوم نفسه فهو “مكان خال تقريباً من تلك الحجارة القاسية.. ومعبأ برطوبة باردة تبث الراحة في النفس.. بالإضافة إلى امتلائه بالعشب طوال العام” وأما قرية (جدرمانة) “والقرى المتاخمة لها” فهي تعاني مثل قرية غرابة “من غزوات النسر” قبل أن يقضي عليه أخو الراعي حيث كان “بين حين وآخر يسرق ما صادف في طريقه من دجاج ومواشٍ صغيرة وكل ما تحرك تحته وخفّ وزنه” أما قرية (هندروت) لم يكن لها سوى أنها قرية زوجة عم الراعي التي جاءت لرعايتهم بعد وفاة والدتهم. (ولاية إبراء) حسب ما ذكرها الكاتب كانت هي المكان المناسب لأخ الراعي لإجراء اختبار قيادة السيارة ولعل المقصود لما يوجد بها من مكان مخصص لذلك لم يذكر الكاتب في وصفه بشيء وإنما اكتفى بحصول الأخ على رخصة قيادة السيارة ليقوم بمهامه مع أخيه الراعي ومنها بيع الأغنام في (مطرح) “حيث يمكن أن تباع بسعر أغلى، وبدون مجادلات كثيرة” ثم يأكلون “السمك على شاطئ مطرح” وفي طريق عودتهم منها يقفون “في سوق (فنجا)” للعشاء. وذلك كان نصيب تلك البلدان من منظور السرد القصصي.
(جزيرة كمزار) هي الوحيدة التي عرّفها الكاتب على هامش مجموعته وهي “جزيرة عمانية من محافظة مسندم، تقع غير بعيدة عن تخوم الأراضي الإيرانية، ولغة أهلها مزيج من العربية والكردية والفارسية والبرتغالية” وربما يكون هذا التعريف المختصر باباً آخر للقارئ ليجد من خلاله أهمية البحث عن البلدان التي لا يعرف عنها قبل الآن. ويكتفي الكاتب بما عرّفه عن هذه الجزيرة حيث قال: “وعن الجزيرة لا أملك تفاصيل أكثر من أنه يمكن لها أن تكون أشد عزلة لولا حسنات الجد الذي شاء أن يحرف مسيره ومصيره، قبل أن يرقد مستريحاً في قبره..” وهذا دليل آخر على اهتمام الكاتب وتركيزه على ذكر البلدان وسوف يتضح جلياً في قصة (في مديح الضجر) التي لم تفارق أحداثها “(السيب) في مقهى عتيق يطلق عليه طريق دبي” ولكن الأحداث هي عبارة عن سرد للذكريات بما فيها أمكنة السكنى يتداولها مجموعة من الأصدقاء. ومن الأمور المهمة في هذه القصة ما دار بين الحضور من أصل مسمى (المعبيلة) حيث أنه “اسم لراعية غنم.. كانت ترعى شياهها مع ابنتها، والاسم قبل إدغامه هو أم عبيلة، تصغير لعبلة”
أما البلدان التي اختار الكاتب أن يترك مسمياتها للقارئ مكتفياً هو بوصفها حسب مقتضيات القصة التي تتناول مجرياتها فنجدها في (الواقف) و(إسار) و(حكاية الوالي وصائد الحمام) و(يا أبي سأضطر إلى حبسك) والأخيرة هي القصة التي جمعت بين القرية والمدينة في قصة المسن الذي أحضره ولده الشاب من القرية بعد وفاة زوجته ليسكن معه في بيته بالمدينة.
تشترك القصص في أحداثها بقضايا وأحداث ربما تتكرر في أكثر من بلدة ولذلك آثر الكاتب أن يكون ذلك متاحاً لمخيلة القارئ في الكشف عن حقائق السرد القصصي أكثر منه الكشف عن مواقع تلك الأحداث لأنه ربما لم يكن أكثر أهمية. وبهذا فقد استطاع الكاتب إيصال كمّاً لا بأس به من المعلومات لقرّاءه بأسلوب قصصي بليغ.

إلى الأعلى