الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / (تكلّم لأراك) الكتاب الذي يؤصل لفن الحوار الصحفي المهني

(تكلّم لأراك) الكتاب الذي يؤصل لفن الحوار الصحفي المهني

ثقافة السؤال .. وأفُق الإعلامي المثقف

محمد محمد إبراهيم* * أديب وكاتب من اليمن
كتاب “تكلّم لأراك ـ حوارات صحفية في الفكر والثقافة” للإعلامي الكاتب عاصم الشيدي سعى بإبداعٍ تميّز أولاً في كونه محاولة جيّدة من شأنها إرساء ثقافة مهنيّة تكرس للاحتفاء بأبرز فنون التحرير الصحفية، وهو الحوار الصحفي.. وثانياً فيما شكله الكتاب من حشد معرفي ثرّي في سياق نماذج حوارية تتغاير مع بعضها زمنا ومكاناً وثراء معرفياً ومداً تفاعلياً خلاق بين صحفي مثقف وقامات مؤثرة في مسار الحياة الفكرية والثقافية والإبداع الإنساني.. في هذا المادة الصحفية أو القراءة، راق لي أن أمرّ سريعاً مسجلاً انطباعات عابرة عن ما حواه الكتاب من حوارات جديرة بالتوقف عندها، وما شكله من دعوةٍ مهنية لكل صحفي متمرس في فن الحوار بأن يجمع حواراته في كتاب..

اللافت الأهم والذي دعاني لكتابة هذه القراءة السريعة لحوارات عاصم الشيدي هو متابعتي لحوار صحفي نشر في ملحق شرفات في العدد (547) الصادر عن جريدة عمان مع الأديب والشاعر سيف الرحبي، حيث حلّق الحوار في فضاء نصوص “الرحبي” منطلقاً من ثيمة أسفار الشاعر خارج حدود الجغرافيا، وأثر ذلك على الحضور الشعري، واتساع خارطة إبداع “الرحبي: خارج النص التقليدي روحياً وثقافياً ومدىً تعبيرياً، ولم يتوقف الحوار رغم العجلة عند فكرة الترحال بل سبر أغوار تجربة “الرحبي” الشعرية والثقافية ذات التنوع الزاخر بأشكال الكتابة، وانعكاس تراكم معارفه من رؤى مدركة لعوامل توصيف واقع التشظي الزمني والمكاني لجيل الحاضر المصدوم بجدار التاريخ ونكباته.. وكان لقراءة هذا الحوار فضل البحث عن حوارات أخرى فوجدت إن مجلة نزوى قد أصدرت ضمن كتبها الفصلية هذا الكتاب (تكلم لأراك).. لأجد في الكتاب حواراً أوسع أجراه المؤلف مع الشاعر سيف الرحبي.. ورغم صبغة الهدوء التي عمّرت مُجْرَيات الحوار حيناً، وبالذهاب نحو تقنيات الكتابة، وحِيَل البحث عن أشكال جديدة تخرج النص من القيود والتقليد إلى فضاء النص العابر لحدود المكان والأزمنة..

الأديب والطبيعة
“من بين جبال الحجر، وصحاري الربع الخالي ، وتداخلهما ضمن لوحة غرائبية يأتي الشاعر سيف الرحبي محملا بالكثير من حكايات السحرة والمغيبين وأفواج طويلة من سلالات الأسلاف الذين ربما اندثروا إلا من مخيلة الشاعر. يرسمهم بالحروف. وينفث في دواخلهم الحياة لينطقوا فيستغل المشهد ليكتب قصيدة محملة بالسحر. يسمع من خلالها صوت الأعاصير وعواء بنات آوى. فيخفت صوته وهو يلقي التحية على القراصنة الذين ينتظرون الإعصار. فيصمت قليلا ليدير حوارية فلسفية بين الأعمى وظله أو بين الشاعر وصداه.”.. وبهذا الإتقان يقدم الشيدي ضيفه ـ عاكساً براعة في المقدمات الصحفية للحورات ـ راسماً حدود وآفاق العلاقة المميزة بين الأديب والطبيعة كمصدر ملهم للإبداع، والطفولة كمحطة خصبة تظل صورها حاضرة في النص الإنساني أينما ذهب المرء وأينما حط به الرحال، وصولاً إلى النص الإنساني الذي يلغي المسميات، والحدود الجغرافية والعقدية، معتبراً الشعر والمعرفة نوعاً من نشدان الخلاص والعزاء.. وبين المسافات الفاصلة بين عوالم النص الشعري الإبداعي الباذخ بتماهي صور الموت والجبال والأنواء، دار نقاش ينضح بالرؤى الواقعية لراهن المشهد الثقافي العربي المنعكس على مرايا وصفحات المجلات الثقافية العربية، وما تشهده مجلات الثقافة العربية والإنسانية من صعوبات أجبرت مجلات كبرى ذات مستوى مستنير عالي وعريق، على أن تتوارى وتتوقف لصالح مشهد استهلاكي مرعب زائد عن تلبية الذوق الشعبي، يتجه نحو تدمير الذائقة والفطرة والمعرفة..

فكرة الكتاب
يقول عاصم الشيدي في مقدمة الكتاب: فكرة هذا الكتاب حوارات في الثقافة والفكر راقت لي وللزملاء في مجلة نزوى أن تكون بين دفتي كتاب(تكلم لأراك) خاصة وإنني رأيت في هذه الحوارات مادة ليست آنية، وإنما رؤى قابلة للاستمرار ويمكن أن تكون إضافة حقيقية على هامش مشاريع الكُتّاب والمفكرين الذين أجريت معهم حوارات الكتاب.. “.. ومع هذه الإشارة المركزة، يبدو الكتاب بفكرته الجميلة في أن يحمل بين دفتيه حوارات مختلفة، مسار جديد لإثراء أهم فنون التحرير الصحفي، بتجارب حوارية مميزة، وهو بذلك لا يعفي الشيدي من تكرار التجربة وإصدار كتب أخرى لحواراته المميزة، حتى وإن كانت آنية ترتبط بالظرف الزمني الذي أجريت فيه، كون التوثيق والأرشفة التاريخية هي من أبرز أهداف الصحافة التي يعد الحوار من أهم فنونها التحريرية..
الأهم في الحوارات التي تضمنها الكتاب هو فن إدارة الحوار والنقلات الموضوعية والأسئلة المهذبة والعميقة والقوية.. كما أن هذه الحوارات مشفوعة بمقدمات اختزالية، وبيان جميل، يكشف عن أُفق واسع في ثقافة المؤلف وإلمامه الوافي ليس بتاريخ وتجارب كل ضيف بل وبالأمكنة التي دارت فيها الحوارات المباشرة (وجهاً لوجه).. فقد لفت انتباهي ـ مثلاً ـ في مقدمته لحوار جورج طاربيشي قدرته الفائقة على التقاط لحظة المدخل التشويقي إلى فضاء الحوار المترامي الأطراف: كانت الشمس توشك على المغيب عندما التقيت جورج طرابيشي على (شاطئ القرم)، حيث زرقة المحيط تعطي انطباعًا بأن أفق التفكير مفتوح على مصراعيه، وأن (البحر) يتسع للجميع لخوض غمار تفاصيله.. فيما كانت حمرة الشفق تنعكس فوق صفحة مياه المحيط منذرة بأنه حتى جمال الزرقة يمكن أن تخالطه صعاب جمة..

فن المقدمات
هكذا يقتنص “الشيدي” اللحظة الغروبية، والمنظر الجمالي لزرقة الماء ومهابة اتساع البحر أمام أسئلة الجميع الوجودية والفلسفية.. ومن ثم يعرّف الشيدي بشكل غير مباشر، وكما لو أنه سارد يقدم لنا بطل رواية حافلة بتفصيل تضيق عباراتها لتتسع معانيها، فيقول: ورغم أن جورج طرابيشي” السُّورِيُّ المولد، الفرنسيُ الإقامة منذ عقود”، يخرج من صومعته الباريسية لأول مرة منذ عقد ونصف، إلا أنه بدا إنسانًا اجتماعيًا بامتياز، حاضر البديهة والابتسامة، ومستعدًا للحوار مع الجميع.. وبهذا الاختزال الكبير الذي يخفي بين طيات عباراته القصيرة ما يمكن أن يوحي بتراكم ثقافي وفكري متنوع لدى المصدر (الطرابيشي).. ليلفت عناية القارئ بعد هذه التقديم المختزل إلى الحدود الموضوعية للحوار الصحفي التي تتمحور (ربيع العرب) خاصة وأن طرابيشي اشتغل طويلاً على فكرة الدولة وتحولاتها من حلم الدولة القومية إلى واقع الدولة القطرية.. وكذلك مشروعه في نقد نقد العقل العربي الذي جنّد جهده فيه للرد على المفكر محمد عابد الجابري، وهو الموضوع المثير، والذي تابعه المثقفون العرب على مدى قرابة نصف قرن..
هذه المقدمة الشيقة والأسئلة الآسرة للقارئ المهتم بجدل الربيع العربي وأسئلة الصدى الواقعي لمجرياته فيما يتصل بتحولات حياتية سياسية اجتماعية ثقافية، يمكن لها أن تحدث على المشهد العربي، حيث قدّم طرابيشي في هذا السياق توصيف فكري مفاهيمي عقلاني نابعا من إيمانه بحتمية ما جرى بعد أن سدت الأنظمة العربية أفق التطور، وحوّرت وظيفياً مفاهيم الديمقراطيات والجمهوريات، معرجاً على قضية كينونة الفعل الربيعي العربي بين الثورة والانتفاضة والفارق بينهما من حيث السبب، المتمثل في الواقع العربي المسدودة آفاق التطور فيه، والفعل الانتفاضات- التي تقاطعت جبراً مع الايدولوجيا الغير قابلة للتحول- ومن خلال شباب مسلح بالتكنولوجيا المجردة من حدود الجغرافيا والعقائد والايدولوجيا، فجروا انتفاضات أو ثورات لم يعودوا هم قادتها.. والنتيجة أحداث معركة مفتوحة قد تشمل بلدان عربية وشرق أوسطية أخرى، مسعاها استعادة ضبط إيقاع الايدولوجيا لخدمة الأنظمة المتغلغلة في المجتمع..
كما قدّم الشِّيدي عبر أسئلته الجوهرية والواقعية، وجبة إيضاحية ألقت أضواء بيانها المعرفي على قضايا جَدَل النّخَب الفكرية والثقافية العربية تجاه مشروع الجابري النقدي للعقل العربي ومعضلات النقل النصي وطرائق التفسير والتأويل لنصوص تاريخنا العربي، والأحكام المسبقة المنطلقة من قراءة قشور تراثنا الثقافي والفكري قراءة سطحية أو عدم القراءة أحياناً.. وهي القضايا التي أسهب في الرد العقلاني على مساراتها النظرية والجدلية المفكر السوري جورج طاربشي وبعقلية المفكر المخضرم الذي تزاوجت عنده تراكمات من ثقافات الأمم، وفكر الشرق والغرب، لكنه قضى ربع قرن من عمره في نقد مشروع نقد العقل العربي للجابري… وهنا تتجلى مهنية فن إدارة الحوار، وثقافة وانتباه الصحفي المحاور الحقيقي، إذ وجه الشيدي سؤال عميق المبنى والمعنى ويعكس إشكال ثقافي عربي كبير، في ضياع العمر المعرفي في مشاريع جدلية دون البحث عن آفاق فكرية ومشاريع جديدة أكثر نفعية واتساقاً بالواقع المعاش فكان السؤال : أخذت وقتا طويلاً في نقد مشروعه، لماذا لم تستغل هذا العمر في بناء مشروع جديد.. ؟
وبنفس الطريقة الشيقة والإلمام الزمني والمكاني والحدود المعرفية للضيف جرى حوار الشيدي مع المفكر المعروف الدكتور فهمي جدعان عن المشهد العربي، ومعضلات الخطاب الطائفي والمذهبي والتطرف ومعضلات الإسلام السياسي والربيع العربي الذي أفرز مزيداً من التشظي وبالتالي ذوبان وتلاشي الحديث عن مشروع الوحدة العربية ومشروع نقد الفعل العربي الذي بدأه الدكتور فهمي جدعان كبديل لنقد العقل العربي..

ناصية اللغة
وفي حواره المميز مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج الروائي الذي يملك ناصية اللغة الفاتنة والسرد السلس، تألق المؤلف في حوار رتبّت الصدفة له بعد رحلة في البحث عن الأعرج أشعلتها رواية “ذاكرة الماء” ليغوص الشيدي بأسئلته على عجلٍ من منشار الوقت.. حسب ما ورد في مقدمة الحوار: ” أول مرة أتعرف إلى الروائي الكب واسيني الأعرج كان في روايته (ذاكرة الماء)، تلك الذاكرة التي فتحت لي الكثير من المساحات لمواصلة معرفة واسيني. وفي الشتاء الماضي انتظرته كثيرا على أرصفة باريس ولم يأت، بحثت عنه في كل مقاهي الحي اللاتيني قبل أن اعرف أن الجزائر تشبثت به كثيرا ليلة الرحيل. في أحد الصباحات كان واسيني الأعرج أمامي في الجريدة، هكذا فجأة أو بترتيب مع القدر، وأنا أجلس بجانبه في حوار تمنيت أن لا ينته، رغم أن زوجته الشاعرة زينب الأعوج كانت في عجلة من أمرها. وبين مفاجأة الزيارة وإرادة زينب كان هذا الحوار..”.
ورغم ضيق الزمن الذي توحي به المقدمة إلا أن النقاش طاف فضاء المشهد القصصي العماني، ونموذجٍ من جوائز الآداب العربية (جائزة السلطان قابوس للفنون والثقافة والآداب).. ورؤى نقدية حول تحقيق الحضور المحلي ومن ثم التفكير لاجتياز حدود المحلية إلى العالمية.. كما ذهب النقاش عميقا في ارتباط تجربة الروائي الجزائري الأعرج بالظروف القاسية التي شهدته الجائز في روايته (حارسة الظل) الصادرة بعد (سيدة المقام) التي تناولت إشكالية الهوية والتسامح وعلاقتها بمصائر الجماهير الواسعة، وأبعاد السرد الموضوعية في روايته (أصابع لوليتا) التي تؤصل معضلة الإرهاب والمدّ التكفيري عبر نسق روائي يؤنسنه الحب الذي كشف زيف دعاة التطرف.. فالفتاة العشرينية الواعية بكل ما تقوم به، تتعرف على كاتب تشرّد بسبب التهديدات الإرهابية في باريس لتنشأ بينهما علاقة مليئة بالحب والثقافة، تكتشف في نهاية مهمتها التكليفية من قِبَل مجموعة إرهابية بتصفيته، أن هذا الرجل ليس كما وُصَفَ لها بأنه رجل ملحد ومرتد للمسيحية تارة ولليهودية تارة أخرى، ويشتم الدين في كتاباته إلى غير ذلك من التهم التي كثيرا ما استعمل فيها الناس كقنابل موقوتة لقتل الكتاب والفنانين.. وعرّج الشيدي في ملحمته الحوارية إلى تقنية الاستعادة التاريخية لدى الأديب الكبير واسيني الأعرج، من خلال كتابي (الأمير) و(عبد القادر الجزائري) وأبعاد الاستعمالات التاريخية الموزعة بين الهروب من الواقع، والتعبير عن تداخل الواقع ذاته بصور تاريخية تتشابه بين أزمان مختلفة، واقتفاء قيم التعايش والصدام الحضاري..
جدلٌ يؤصل للمعرفة
أخيراً.. على هذا المنوال من التميز والاختزال والحضور الذهني والمعرفي والثقافة الواسعة، دارت رحى الحوار، مع شخصيات كبيرة أخرى كـ(الروائية الدكتورة جوخة الحارثية والشاعرة والناقدة والمترجمة الفلسطينية الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي والروائي سليمان المعمري).. وللحقيقة والإنصاف، لقد وجدت نفسي أمام حوارات قيّمة وطرح مهني أصيل عكس وبجدارة، عمق إطلاع الصحفي “الشيدي” الواسع والمميز في انتقاء مصادره الحوارية، بل وفي انتقاء الظرف الزمني الذي دار فيه الحوار مجيبا على أسئلة راهن جدلي بما حوته من بعد ثقافي وفكري تعايشه الأجيال خارج حدود الآنية.. كما أن عاصم الشيدي تفّرد في اختيار عنوان كتابه الجامع لهذه الحوارات، إذ انطلق من عبارة فلسفية عريقة (تكلم لأراك) ليستنطق بذلك فكر مصادره الاستثنائية، وكوامنها المعرفية التراكمية، في أشكال جدلية تؤصل للمعرفة وليس للعدمية.

إلى الأعلى