الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الظِّل والفَيْء في اللغة العربية

الظِّل والفَيْء في اللغة العربية

نافذة لغوية (218)

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

في لغتنا العربية كلمات متقاربة الدلالة نستخدمها في الكتابة والحديث دون أن نكلّف أنفسنا عناء التفريق بينها ، وقد لا يؤدّي استخدامنا غير الدقيق لها إلى كبير التباس أو إشكال اليوم ، أمّا في الكتب والنصوص القديمة فقد لا يستقيم لنا المعنى ما لم نكن على بيّنة من وجه الاستعمال على مقتضى الأصل و وفق ما عرفت شواهد العربية القديمة ، أو نصّت أقوال اللغويين ، من ذلك مثلاً لفظتا ” الظِّل ” و ” الفَيْء ” اللتان لا يحسن كثير من المحدثين التفريق بينهما ، مع أنّ هناك جملة من الفروق بين اللفظتين ، إذ قالوا على الظِّلّ أنّه يدلّ على ستر شيء ، فالظِّل ظِل الإنسان وغيره ، ويكون بالغداة والعشيّ . تقول : أَظَلَّتْنِي الشجرةُ تُظِلُّني ، والليل ظِلّ ، وذلك أنه يستر ، واستشهدوا عليه بقول ذي الرمة يصف سُرَاه في الصحراء ليلاً ، قال :
قَـدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ المجهولَ مَعْسِفَهُ في ظِـلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ البُومُ
يريد : في ستر ليل أخضر . وأَظَلَّكَ فلانٌ ، كأنَّه وَقَاكَ بِظِلِّه ، وهو عِزُّهُ ومَنْعَتُه. ومن الباب قولهم : ظَلَّ يفعلُ كذا ، وذلك إذا فعله نهاراً . ولا يُقال : ظَلَّ يفعلُ كذا ليلاً؛ لأنَّ الليل نفسه ظِلّ ، أو لأنَّ الشيء يكون له ظِلٌّ نهاراً . وكل ما أَظَلَّكَ من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط فهو ظُلَّة . والظِّلّ يكون من طلوع الشمس إلى الزوال أي غُدْوة وعَشِيّة ومن أول النهار إلى آخره .
وقالوا في الفَيء : هو ما بعد الزوال من الظِّل ، وسمي فيئاً لرجوعه من جانب إلى جانب إذ معنى فاء الشيء : رجع ، ويفرِّقون بين الظِّلّ والفَيء أيضاً بقولهم : الظِّلّ ما نسخته الشمس ، والفَيء ما نسخ الشمس . ونقلوا عن رؤبة بن العجاج قوله في ذلك : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فَيْء وظِلّ ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلّ. ومن جملة ما ساقوه في هذا الصدد قولهم : تَفَيَّأَتِ الظِّلالُ : تَقَلَّبَت ، ولو كانت الظِّلال والأَفْياء بمعنى واحد لما جاز لهم أن يقولوا مثل هذه العبارة ، وقال ابن قتيبة : والفَيْء لا يكون إلا بعد الزوال ولا يقال لما قبل الزوال فَيْء وإنَّما سُمِّيَ بالعشيّ فَيْئاً لأنَّه ظِلٌّ فَاءَ عن جانب إلى جانب أي رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق ، والفيء الرجوع . ومنه قول الله عز وجل : حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ  أي ترجع ، وقال امرؤ القيس:
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ التي عند ضَارِجٍ يَفيءُ عليها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامي
وتيممت هنا : قصدت ، وضارج : موضع ، والعرمض : الطحلب أي الخضرة التي فوق الماء ، والطامي : المرتفع ، فقوله يفيء عليها الظل أي يرجع عليها من جانب إلى جانب . وقد قالت العرب : ظل دوم أي واسع وظل وارف: أي ممدود وقلص الظل : رجع إلى مستقره نصف النهار ، ويعبر بالظل عن العز والمنعة والرفه ، ولما كانت بلاد العرب في غاية الحرارة وكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة جعلوه كناية عن الراحة .
ولخص بعضهم الفرق بين اللفظتين بقوله : الظل ما كان أول النهار إلى الزوال، والفيء : ما كان بعد الزوال إلى الليل ، فالظل غربي تنسخه الشمس ، والفيء شرقي ينسخ الشمس . قال حميد ن ثور الهلالي :
فلا الظل منها بالضحى تستطيعه ولا الفيء منها بالعشي تذوق
وعلى هذا الوجه يتضح لك أن الظل أعم من الفيء في لغتنا العربية .

إلى الأعلى