الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / رواية بير أولوف إينكويست .. السرد التاريخي والتحليل النفسي في سير الأحداث وصناعة البيئة المحيطة

رواية بير أولوف إينكويست .. السرد التاريخي والتحليل النفسي في سير الأحداث وصناعة البيئة المحيطة

في أروقة القصر الملكي الدنماركي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر

خولة بنت سلطان الحوسنية @sahaf03

بينما كنت أبحث عن بعض الروايات في دار المنى بمعرض الكتاب في نسخته الأخيرة بمسقط أشارت عليّ البائعة أن أشتري الرواية التي كانت مصفوفة على طاولة العرض في الصف الأول وبأعداد كبيرة إلا أن غلاف الرواية الكئيب ذا الألوان الداكنة والذي يحمل رسمة لامرأة ترتدي عباءة سوداء تغطي رأسها والنقاب على وجهها ولم يظهر منها إلا يدها اليسرى، جعلني أعتذر عن شرائها على الرغم من أنني لا أعرف عنها أي معلومة لكن هنا تأتي أهمية الغلاف في شد انتباه القاريء أو تنفيره، إلا إن إصرار البائعة على الحديث عن الرواية وبأنها الرواية التي تقترحها لأي زائر للدار وخاصة أنها قرأتها بنفسها فأثرت معلوماتها التاريخية أولاً وأدهشت بطريقة سرد الكاتب للرواية وإبداع المترجمة التي ترجمتها للعربية وهذا ما جعلها تفوز بجائزة أوغست السويدية وهي الجائزة التي يمنحها إتحاد الناشرين السويديين لأفضل كتاب ومؤلف من مختلف الأجيال وجائزة الإندبيندنت البريطانية التي أسستها جريدة الإندبيندنت وتديرها حالياً مؤسسة “بوكتراست” الإنجليزية الثقافية الخيرية، فكان لها ما أرادت وكانت المرة المرة الأولى التي أقتني فيها رواية تاريخية مترجمة من الأدب السويدي وهي رواية “زيارة طبيب صاحب الجلالة” لبير أولوف إينكويست والتي ألفها في القرن الماضي .
تدور أحداث الرواية في أروقة القصر الملكي الدنماركي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث بداية عصر التنوير الذي انطلق من فرنسا وكان بطلها الملك كريستيان السابع المصاب بمرض عقلي،أو هيىء ليكون شخصا غير طبيعي عندما كان طفلاً وولياً للعهد وبالتالي تسهل السيطرة عليه وعلى قراراته عندما أصبح ملكاً أو بالأحرى تتخذ القرارات عنه حسب مصالح البطانة التي تدور حوله في القـصر، البطل الآخر هو (سترونزي) الطبيب الألماني التنويري الزائر الذي أصبح طبيبا دائما وأدار زمام الأمور في الدنمارك وأقر التشريعات حسب رويته التنويرية الإصلاحية خلال تلك الفترة ولمدة ثلاث سنوات، أما الملكة البريطانية الطفلة والتي زوجت لملك الدنمارك من أجل الإنجاب أصبح لها دور محوري تلك الفترة بعد أن وجدت شخصيتها الضائعة مع الطبيب الألماني ولكن الحال مع الملكة والطبيب لم يدم طويلاً فالمتربصون كثر والقلوب الحاقدة والأعين الموجهة على السلطة كثيرة فرمي بهم من أعلى الهرم.
الرواية لا تخلو من التعقيد خاصة في الجزء الأول منها لأنها مرتبطة بفترة تاريخية لم يكتب عنها الكثير فاستيعاب الأحداث ليس بالسهل إلى أن تبدأ الأحداث تنفرج تدريجياً، حتى اضطررت في بعض الأحيان إلى البحث والقراءة عن تلك الفترة لاستيعاب الأحداث وفهم طبيعة الشخصيات المؤثرة في الأحداث الرئيسية إضافة إلى بعض المعلومات عن الأماكن التي ذكرت في الرواية ودارت بها أحداث مهمة وهذا الجزء لم يكن سهلاً أيضاً وقد يكون بسبب الترجمة للعربية فترجمة الأسماء أحياناً تختلف من مترجم لآخر فيصعب الحصول على نتيجة دقيقة في محركات البحث.
الكتابة عن هذه الرواية هنا ليس من باب التشجيع على قراءتها بكثر ما كانت لي دوافع أخرى استخلصتها من الرواية وهي متشابهة مع الواقع الذي نعيشه اليوم في عالمنا العربي بينما حدث في أوروبا قبل ثلاثة قرون، وهذه الأحداث بعضها كانت ردات فعل لطريق التغيير الذي تعيشه أوروبا اليوم وللتخلص من تبعات العبودية والقهر والجوع والفقر في عصر الظلام.
فعلى سبيل المثال قامت الدنمارك في تلك الفترة بالسماح لحرية التعبير في الصحافة والنشر بشكل عام وهذا ما جعل التنويريين من أمثال فولتير وغيره من رواد الحركة التنويرية يشيدون بذلك في قصائدهم كالقصيدة التي أرسلها فولتير لملك الدنمارك بعد تشريعه لقانون حرية الصحافة والتي حملت عنوان “حول حرية الصحافة” وبأن تلك الخطوة ستجعل الأفكار تزدهر وأن سحقت في بلد ما، كذلك في تلك الفترة كان العمل قائما على مشروع إنهاء عبودية الفلاحين ولكنه مشروع لم يكتمل لكن وضعت قواعده وإتجاهاته، إلا أن هذا القرار وغيره من القرارات الإصلاحية التي لم يتقبلها البعض وخاصة ممكن كانت لا تتفق ومصالحهم الشخصية وخططهم المستقبلية فأعقبتها ثورة أحرقت الدنمارك ولكنها كانت البداية والتجربة الأولى دائماً تكون الضحية حتى تتضح الفكرة ويتقبلها جميع الأطراف فتطبق، هذا يعني أن أي تغيير لا يمكن أن يكون كشربة الماء فيكون نتيجته ضحايا من البشر فإما أن يكونوا فيما بعد رموزاً للإصلاح أو مجرد ضحية عبر من خلالها للوصول للهدف.
إضافة إلى ذلك فإن الرواية سلطت الضوء على ما يوجد في داخل الكتلة البشرية (الغريزة البشرية) ويترجمه العراك البشري الذي تثيره الدوافع الشخصية المحبة للسلطة والساعية لها وتأثيرها على مصير شعوب والتي قد يفقد الشعوب في كثير من الأحيان حقوقها وبالتالي عجزها عن تأدية واجباتها، وأن هناك بعض البشر تتلبسها أرواح لا تعرف للإنسانية معنى فما تفعله بغيرها من البشر يكون من باب الدفاع عن الحقوق وحماية الوطن وهذا ما حدث مع الطبيب الألماني “سترونزي” ، وملكة الدنمارك البريطانية التي غدر بهم في ليلة وأصبحوا من مشرعين للإصلاحات إلى معتقلين في طريقهم للموت.
هذه الرواية تناولت أخطر فترة في تاريخ الدنمارك وأكثرها غموضاً إلى جانب التحليل الشخصي لشخصيات مهمة لعبت دوراً في تاريخ أوروبا حينها فهي جمعت بين السرد التاريخي والتحليل النفسي الذي يلعب دوراً مهماً في سير الأحداث وصناعة البيئة المحيطة.

إلى الأعلى