السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب.. هل تنتصر المغامرة الأميركية؟

ترامب.. هل تنتصر المغامرة الأميركية؟

السيد عبد العليم

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

من المعلوم أن الولايات المتحدة والقارة الأميركية عموما قامت على المغامرة والتي تمثلت بداية بالرحلات الاستكشافية لكريستوفر كولومبس وأمريكو فسبوتشي لما عرف بالعالم الجديد. ثم جاء بعد ذلك الأوروبيون، والذين كان أغلبهم من السجناء، إلى الاستيطان في ذلك العالم الجديد بكل ما يحمل ذلك من روح المغامرة. فقد غامروا بالذهاب إلى أرض جديدة لم يكونوا يعرفون عنها اي شيء. فلم يكن هناك وسائل اتصال حديثة كما هو حال عالم اليوم، بحيث بضغطة زر على محرك بحث، تعلم كل كبيرة وصغيرة عن المكان الذي ترغب في الذهاب إليه. أما هم فقد غامروا واقتحموا عالم المجهول. ويبدو أن روح المغامرة تلك صارت نمطا متوارثا لدى الأجيال المتلاحقة من الأميركيين. ويذكر أنه في عالم الطب في الغرب ورغم التقدم التقني والبشري الهائل، الا انه في العمليات الصعبة، عادة ما يستدعي الأطباء الأوروبيون نظراءهم الأميركيين لاجراء تلك النوعيات من العمليات الحرجة. وذلك لروح المغامرة او ما يوصف”بجمد قلب” الأطباء الأميركيين.
وعلى الصعيد العلمي، نجد ذلك الكم الهائل من الاختراعات والابتكارات التي ترتكز في الأساس على روح المغامرة بمعنى الذهاب واقتحام كل ما هو جديد ومجهول وذلك جانب أصيل في الثقافة الأميركية. خلاف حالنا نحن العرب تماما، حيث ثقافة التقليد وعدم الذهاب الى ما هو جديد او مجهول من خلال ترديد مقولة” ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه” و”لنبقى في حالنا” الأمر الذي يجعلنا نسير إلى الخلف بينما يسير الآخرون للأمام. فقبل أيام كان هناك في إحدى الولايات الأميركية، على سبيل المثال، مهرجان لسباق طائرات بدون طيار يقوم به الشباب. فتلك لمحة تدل على الفرق الهائل بيننا وبينهم. وأي عالم في بلادنا لا يستطيع القيام بتجاربه العلمية وأبحاثه، تكون أبواب أميركا مفتوحة له وتقدم له فرصته للتجريب والانطلاق كما كان الحال مع أحمد زويل وغيره، فماذا لو بقي هؤلاء في بلداننا؟ ولعله ليس من الغريب القول إن أفلام الخيال العلمي الذي نراه ضربا من الخيال البعيد تمثل واقعا فعليا عند أصحابها وصلوا إليها وبانتظار الإعلان عما حققوه فيها فقط.
كما يظهر ذلك في السياسة أيضا، فخبرة أميركا بالحرب محدودة بخلاف كثير من البلدان الأخرى كألمانيا مثلا، حيث لم تشهد الولايات المتحدة حربا على أرضها منذ الحرب الأهلية في 1861-1865. ومع ذلك، فعندما تعرضت للهجوم الياباني في بيرل هاربور والذي كان على بعد آلاف الكيلومترات من الأراضي الأميركية، لم تتردد في استخدام القنبلة الذرية لأول مرة في التاريخ بالرغم من قدرتها التدميرية الهائلة، والظن أغلب الظن أنه ربما لو كانت تلك القنبلة في يد دولة أخرى لترددت كثيرا وربما لم تستخدمها لكنها المغامرة الأميركية المتوارثة. كما كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 أكبر خطر تواجهه اميركا منذ ذلك الحين. ولعل ما ذهب اليه البعض بأن أميركا قبل تلك الهجمات كانت على شفا الافلاس والانهيار، وأنها ربما قامت هي بتلك الهجمات لتفادي الانهيار التام يمكن ايضا ايعازه الى روح المغامرة الاميركية ـ سواء اتفقنا معه او اختلفنا ـ لكنه يبقى في النهاية جزء من تحليل تلك الأحداث الغامضة حتى يومنا هذا. ولعل ما قامت به من غزو لأفغانستان وتدميره وغزو العراق فيما بعد وتدميره، يمثل ذلك الجانب المتطرف من روح المغامرة الذي وصل الى حد التهور في التعاطي مع الأمور.
وعلى ضوء الترشح والحملات الانتخابية الجارية، يكون السؤال هنا: هل يمكن أن تنتصر روح المغامرة الأميركية هنا ويكون اختيارهم هو لذلك المتهور السياسي دونالد ترامب صاحب التصريحات المتطرفة في كثير من الأحيان الذي فرض ترشحه بالقوة على الحزب الجمهوري؟ بالطبع فإن هذا المرشح ليس له رصيد سياسي اي انه قادم من خارج المؤسسة السياسية ولم تتم تجربته او اختباره في أي أمور سياسية ولم يكن معروفا على الصعيد السياسي قبل دخوله معترك الترشح الرئاسي. وحاله ربما لا يختلف كثيرا هنا عما كان عليه حال رونالد ريجان ذلك الممثل الذي اقتحم الحياة السياسية وتولى الرئاسة الاميركية دورتين وصاحب الرصيد السياسي الكبير لدى كثير من الاميركيين.
اما هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي، فربما نظر اليها أبناء المغامرين الاميركيين بنوع من التشكك في قدراتها رغم رصيدها من العمل السياسي. اذا ربما ينظر كثير من الاميركيين الى ذلك الرصيد على انه نقاط سلبية وليست ايجابية في محصلتها السياسية. فقد كانت سيدة اولى في عهد الرئيس بيل كلينتون ولم تحقق ذلك الرصيد الذي حظيت به نانسي ريجان او ميشيل اوباما حاليا. بل ان هناك من يرى انها تتحمل جزءا من المسئولية عن المشاكل الغرامية التي تعرض لها زوجها خلال شغله لمنصب الرئاسة. كما أنها قد ترشحت سابقا أمام اوباما وخسرت. وعندما تولت وزارة الخارجية الاميركية لم يكن لها دور كبير في حل ملفات كثيرة، فضلا عن تعرض البعثة الاميركية في ليبيا للهجوم في عهدها، بالاضافة الى مسألة الرسائل الالكترونية الخاصة بها من على موقع وزارة الخارجية القضية التي مازال صداها يتداعى حتى اليوم. أي انه في المجمل، فان هيلاري كلينتون وعلى الرغم من محاولات تقربها واستمالتها للجالية المسلمة وذوي الأصول الاسبانية والافريقية، الا انها تبقى المرشحة البيضاء من ناحية، وبالنسبة لكثير من الأميركيين بطاقة محروقة، حيث حظيت بكثير من الفرص وقدمت كل ما لديها سواء كسيدة اولى او كوزيرة خارجية اي انها استنفدت.
وذلك عكس ذلك المغامر الجديد في عالم السياسة، والذي يمثل عدم وجود خبرات وتاريخ سياسي له ـ بالنسبة للكثير من الاميركيين ـ ميزة. فالاميركيون كما ذكرنا بطبعهم يفضلون تجربة الجديد مهما كلفهم ذلك، والامر بالنسبة لهم اربع سنوات، أنجز وأبدع يكون ذلك رصيدا له لإعادة انتخابه واذا كان العكس، يذهب مع نهاية فترته الأولى. وهذا خلاف لما يمكن وصفه بسياسة إعادة تدوير النخبة السياسية في كثير من بلدان المنطقة وذلك بتناوب المناصب الرئيسية بين عدد محدود من الأشخاص، حيث يتم نقل الوزير الى وزارة اخرى أو إلى رئاسة الوزارة او نقل رئيس برلمان الى منصب وزاري والتبديل والتعديل فيما بين عدد من الشخصيات عمرها السياسي يرجع الى عقود بزعم الخبرة التي ربما لا نرى لها نتاجا يذكر على أرض الواقع. والخوف من ضخ دماء شابة جديدة في المناصب الكبرى.
واذا كان البعض قد عرض او شاهد مقطعا مرئيا لترامب بوجهه القاسي الى حد التطرف في حلبة المصارعة الحرة، فهذا رصيد له وليس انتقاصا منه لدى كثير من الاميركيين. لانه في حلبة المصارعة يكون المطلوب القسوة ولا شيء غيرها وكونه وصل الى هذا الحد فقد انجز ونجح في هذا النشاط القائم اصلا على ذلك العنف المفرط والذي يحقق من ورائه المليارات. لتبقى في النهاية روح المغامرة ومدى قدرتها على حسم الاختيار في الانتخابات الأميركية غير التقليدية هذه المرة. وليس أمامنا سوى الترقب وانتظار ما تسفر عنه الأيام المقبلة ريثما يعلن الحكم صفارته بحسم الجولة الانتخابية في نوفمبر المقبل.

إلى الأعلى