الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السياسة الدولية وتحولات القوة في القرن الحادي والعشرين (1/2)

السياسة الدولية وتحولات القوة في القرن الحادي والعشرين (1/2)

محمد بن سعيد الفطيسي

محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
azzammohd@hotmail.com
تويتر – MSHD999@

تغيرات كثيرة وجذرية حدثت على رقعة الشطرنج الدولية منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين, منها ما يتعلق بطبيعة القوة السياسية وتوازن القوى الدولية القائمة من خلال التغيير الحاصل في شكل التكتلات والتحالفات القائمة – سياسية, عسكرية, أمنية, اقتصادية – وصعود بعض القوى وتراجع أخرى , ومنها ما يتعلق بطبيعة العلاقات الدولية والتوجهات السياسية والجيوسياسية لتلك القوى وأثرها على النظام الدولي, وتعد تلك التغيرات والتحولات التي شكلت هياكل البناء السياسي للسياسة والعلاقات الدولية في العقد الثاني من القرن 21 امتداد طبيعي وحتمي لعقود طويلة من النزاعات السياسية والصراعات الجيوسياسية العابرة للحدود الوطنية والتغيرات المختلفة سواء الداخلية منها او الخارجية للدول , وفي نماذج تفكيرها وتوجهاتها السياسية سواء كانت ذات طبيعة وتأثير ناعم أو سياسات صلبة.
ومن أبرز الأمثلة الراهنة على كل ما سبق التطرق إليه هو تراجع النفوذ والهيمنة الأميركية فيما يطلق عليه بنهاية المركزية الأميركية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين , كذلك ما حدث من تغيرات في منظومة الاتحاد الأوروبي وانسحاب بريطانيا من تلك المنظومة الاقتصادية, يضاف الى ذلك تراجع الدور الأوربي على رقعة الشطرنج العالمية سياسيا وعسكريا, وبروز تحالفات دولية جيوسياسية جديدة يغلب عليها الطبيعة الأمنية كالتحالف الدولي ضد الإرهاب والتنظيمات الارهابية, او تحالفات وتكتلات أخرى تحاول تجديد دمائها في مواجهة كل تلك التحولات والمتغيرات في النظام العالمي الجديد, وتبرز هذه التحالفات بشكل واضح على الرقعة الأسيوية بشكل أكبر كما هو حاصل اليوم بين إيران وروسيا, ويمكن أن يضاف إليهم تركيا والصين, وكذلك التحالف الدولي ضد تنظيم القاعدة وداعش.
لذا ومن أجل تفسير مستقبل كل تلك المتغيرات الحاصلة في النظام الدولي الراهن , وخصوصا ما يتعلق منها بقضايا توازن القوى الدولية والتغيير في هياكل البناء السياسي ومنظومة العلاقات والسياسات الدولية وضعت العديد من النظريات, ولكن ( مع ذلك فان هناك أشياء لا نستطيع ان نقدم تصورنا حولها, وهناك أشياء أخرى يمكن فهمها ويمكن ان تتغير بصورة أكثر عملية , فضلا عن التغيرات في التقنيات الموجودة في التنظيم والبناء السياسي, وهناك بالفعل تتربص نهاية النظرية لمصلحة نظريات العلاقات الدولية, وإدارة هذه العوامل التي تؤدي الى نشوء تلك العلاقات, وهي ما يطلق عليه بالسياسة الدولية او السياسة بين الأمم, كما يحلو للبعض تسميتها, وهذه العلاقات إما أن تكون سلبية, عن طريق الاحتلال والحروب, او علاقات ايجابية,ـ عبر تفاهمات سياسية ودبلوماسية ناعمة, او عبر تكتلات وتحالفات تنقسم وتتلاقى على المصالح السياسية او الاقتصادية او غير ذلك , إلا أنها وفي نهاية المطاف لابد ان ترتكز على قيم ومبادئ ونظريات العلاقات الدولية – ويربط هانز مورجنتاو القوة بفكرة التأثير أو التحكم في المكاسب ، وعرف القوة بأنها القدرة علي التأثير في سلوك الآخرين).
بالتالي يمكن تحديد قوة الدولة من خلال طبيعة سياساتها وتوجهاتها الخارجية وشكل علاقاتها الدولية وذلك من خلال التعرف على حلفائها واعدائها, يضاف الى ذلك مدى قدرتها على تحويل موارد تلك القوة والتأثير الى قوة متحققة وليس مجرد توجهات وسياسات سواء كانت موارد تلك القوة موارد سياسية صلبة او موارد ناعمة, وذلك عن ( طريق معرفة المحصلة النهائية للتأثير الذي تمارسه في الدول الأخرى ، بهدف امتلاك مزيد من الموارد. كما تتعامل المدرسة الواقعية مع العلاقات الدولية، علي أنها صراع، الهدف منه تعظيم ما تمتلكه الدولة من قوة).
على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان قدرة الدول على الحصول على النتائج المرغوبة كثيرا ما ترتبط بامتلاكها موارد معينة, وبالتالي يمكن تعريف القوة السياسية عند تعريفها بأنها تعبيرا مختصرا لامتلاك كميات كثيرة نسبيا من عناصرها كالسكان والإقليم الجغرافي والموارد الطبيعية والقوة الاقتصادية والعسكرية والاستقرار السياسي ومدى التأثير في بقية أطراف المنظومة الدولية(وتكشف جميع السياسات من داخلية ودولية النقاب عن وجود ثلاث صور أساسية لها, أي أن السياسة بوصفها سياسة تبحث دائما إما بالاحتفاظ بالسلطان او مضاعفته أو عرضه, وهناك ثلاث سياسات دولية نموذجية تتصل وتتماثل مع هذه الأشكال الثلاثة الأنموذجية من السياسة, فالدولة التي تميل سياساتها الخارجية الى الاحتفاظ بالسلطان دون أي رغبة في إعادة توزيعه لمصلحتها في أوضاع القوة والسلطان, تسير على سياسة الحفاظ على الوضع الراهن , والدولة التي تهدف سياستها الخارجية تبدلا لمصلحتها في أوضاع القوة والسلطان تسير على سياسة استعمارية, أما الدولة التي تنشر سياستها الخارجية عن طريق عرض ما تملكه من قوة وسلطان إما بقصد الاحتفاظ به او زيادته, فتسير على طريق إظهار المهابة، مع التأكيد ان هذه الصور الثلاث الانموذجية للسياسة الدولية هي ذات طبيعة مؤقتة, وبمعنى آخر بأنها قابلة للتغيير والتقلب والصقل والغربلة مع الوقت نظرا لتأثرها بالعديد من التحولات والمتغيرات المتزايدة في هياكل البناء السياسي العالمي وطبيعة العلاقات الدولية, وبمعنى آخر, ان فهم الوضع المستقبلي لطبيعة البيئة الدولية , يجب أن يبدأ بالاعتراف بان الاضطرابات الحاصلة اليوم في هياكل البناء السياسي وطبيعة العلاقات الدولية بين الدول وان كانت كما اشرنا بأنها ذات طبيعة مؤقته ما يدل على تحول حتمي للنظام الدولي ناتج عن حدوث تغيرات في البنية الداخلية لكثير من المشاركين الأساسيين فيه, خصوصا تلك الدول التي يمكن ان نطلق عليها بالمتنمرين الجدد على رقعة الشطرنج الدولية.
عليه يمكن القول ان فهم مستقبل التحولات الحاصلة في طبيعة القوة في السياسة الدولية والتحولات الخاصة بالقضايا المتعلقة بالمتغيرات المعاصرة في هياكل البناء السياسي لبنية النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين , وتحديدا ما يتعلق منها بعلاقات الخصومة والصداقات المتقلبة وطبيعة التحالفات والتكتلات القائمة وتلك الممكن قيامها خلال العقود المتبقية من هذا القرن لا يمكن ان يتحقق سوى من خلال ما يطلق عليه بمصطلح توان القوى , والذي يعد مؤشرا قويا للتنبؤ بكيفية سلوك الدول سواء كان بركوب موجة الأقوى والانضمام الى الجانب الذي يبدو قويا بدلا من الجانب الضعيف, او من خلال البحث عن تحالفات وتكتلات موازية يمكن من خلالها احتواء بعض أو كل قوة التأثير والتهديد القادمة من تلك الموجة العاتية.

إلى الأعلى