الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من همدان إلى الحسكة ..رسائل متبادلة

من همدان إلى الحسكة ..رسائل متبادلة

خميس التوبي

شراع

خميس بن حبيب التوبي
khamisaltobi@yahoo.com

لم يكن أحد يتوقع أن تنطلق يومًا ما طائرات حربية استراتيجية تابعة لدولة أجنبية من عمق أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي عدَّت مثل هذا النوع من التسهيلات أو الامتيازات خطًّا أحمر، إلا أن انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة همدان الإيرانية لتضرب البؤر الإرهابية ومواقع سيطرة وتمركز التنظيمات الإرهابية في سوريا لا يمكن تفسيره إلا بأنه تحول لا يقتصر على المسار السياسي والعسكري الإقليمي فرضته الظروف والأحداث في الإقليم فحسب، بل يتعداه بصورة أوسع ليشمل العالم بأسره، مؤكدًا النزعة نحو التعددية القطبية وبداية أفول نجم الأحادية في سماء العالم والمتمثل في الولايات المتحدة.
هذا التموضع الجديد لكل من طهران وموسكو يشي بأن هاتين العاصمتين أدركتا أن الحاجة باتت ملحة إلى إعادة رسم الترددات بناء على إيقاع الأحداث والمتغيرات والتعديل المستمر للمسارات وإباحة المحظورات وتغيير قواعد الاشتباك السياسي والعسكري التي يفرضها الكاوبوي الأميركي في إطار مقاومته للنزع الأخير ورفضه الاعتراف بتعدد القطبية.
ووفقًا لهذا التموضع الروسي ـ الإيراني وما يستوجبه من انزياحات وتوافقات وتقديم تنازلات وتنسيق عالٍ، ووفقًا لمقاومة الكاوبوي الأميركي السارج لصهوات الإرهاب بمختلف تنظيماته وبمسمياته الخادعة والزائفة لتأخير زمن أفول نجم هيمنته على العالم، يبدو المشهد بأننا أمام قوتين متضادتين ومتعاكستين، ورغم الفارق في موازين التموضع والمقاومة على الأرض وأوراق القوة والضعف، إلا أن المشهد مرشح نحو المزيد من التفاصيل والآلام والدماء والمزيد من التضحيات.
من الواضح أن الإيراني والروسي قد فهما وهضما المناورة الأميركية القائمة على اللعب على عامل الوقت ومطه إلى أقصى حدوده ـ وهي لعبة صهيونية في الأصل ـ لإعادة التموضع واستيعاب الخسائر ثم معاودة الكرة، وذلك من حيث التأجيل المستمر لجولات مؤتمر جنيف والذي (التأجيل) بدا فيه ستافان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا طرفًا فيه، والإيعاز إلى بيادق ما يسمى “المعارضات” السورية إلى المماحكة وإثارة العراقيل، أو من حيث تعويم الإرهاب القاعدي عبر بدعته الكبرى إرهاب معتدل وإرهاب متطرف، وما تتطلبه هذه البدعة من عمليات فك وتركيب وتغيير مسميات، أو من حيث ما يسمى “الهدن” أو “وقف العمليات العدائية” التي أثبتت أنها متنفس كبير للتنظيمات الإرهابية ولرعاتها ومنتجيها لإعادة تنظيم صفوفها ومدها بما تحتاجه من العتاد العسكري، وتجنيبها الانكسارات والهزائم المحققة.وبالتالي وفي ظل سياسة تعويم الأدوار التي يتبعها الكاوبوي الأميركي من أجل الإمساك بمفاصل الأزمة السورية، غدت ما يعرف بـ”التفاهمات” الروسية ـ الأميركية أحد مفاصل مناورة مط الوقت وسياسة تعويم الأدوار، ولعل التمترس الذي يبديه الكاوبوي الأميركي ومن معه خلف وأمام ما أنتجه ودعمه وراهن عليه من إرهاب في مدينة حلب الشهباء الصامدة، والتحرك نحو فك الطوق عن التنظيمات الإرهابية المسلحة في شرق المدينة عبر موجات إرهابية متتالية، تقدم في كل موجة آلاف الأطنان من الأسلحة النوعية المتطورة وفي مقدمتها الأميركية، يفضح كل ذلك الكاوبوي الأميركي وحقيقة موقفه وموضعه من التفاهمات، وما يتفوه به من رطانة عن الحل السياسي للأزمة؛ لذلك جاء انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة همدان الإيرانية ليس فقط لتفادي قيام الرعاة والمنتجين للإرهاب الأميركيين والصهاينة عبر أقمارهم الصناعية بتقديم المعلومات للتنظيمات الإرهابية بطلعات المقاتلات الروسية وزمن وصولها واستهدافها، ما يمكِّن إرهابيي هذه التنظيمات من التخفي والاندساس بين المدنيين أو التحصن، وكذلك لاختزال الزمن المستقطع لانطلاق المقاتلات بنسبة 60 في المئة، وإنما لتوجيه رسالة حاسمة وصارمة إلى الكاوبوي الأميركي بأن روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عازمتان على الذهاب بعيدًا لحماية حليفهما سوريا، وعدم السماح بإسقاطها وتقسيمها، مع ما يعنيه هذا التموضع الروسي ـ الإيراني الجديد من حاجة لكل من موسكو وطهران إلى مثل هذا التحالف وتبديل الاستراتيجيات في ظل سياسة التآمر والتخريب التي يلعبها الكاوبوي الأميركي ضدهما، حيث اللعب على أشده في الحدائق الخلفية والأمامية لكل منهما، ما يستوجب توحيد الجهود والتنسيق للرد والردع، والانتقال إلى الهجوم المباشر. فموسكو حين تتجه بكليتها إلى طهران تدرك أنها تتكئ على حليف قوي وأحصنة رابحة وليس على أحصنة معطوبة، أو على حليف غير مأمون من طبعه الغدر والخيانة.
الكاوبوي الأميركي من جانبه أراد أن يتقدم خطوة إضافية على صعيد تدخله السافر في الشأن الداخلي السوري، ليرسل بدوره رسالة إلى كل من موسكو وطهران أنه لا يزال قادرًا على العبث والتدمير والتقسيم عبر أدواته الإضافية المأجورة المسماة بـ”الأسايش” فرع حزب العمال الكردستاني، وهي في الحقيقة “قوات سوريا الأميركية” في الحسكة والإيعاز إليها بمهاجمة المواقع الخاضعة تحت سيطرة قوات الدفاع الوطني التابعة للجيش العربي السوري، وتلك المواقع التي يسيطر عليها الجيش بصورة ذاتية ومباشرة، للرد على التموضع الروسي ـ الإيراني. وهذا يؤكد ما قلته ـ في مقالات سابقة ـ إن هذه الميليشيات الكردية التي يحتضنها كاوبوي الإرهاب الأميركي هي نواة لجيش يعده الأميركي ليتولى عنه بالوكالة محاربة الجيش العربي السوري لاستمرار عملية الاستنزاف والوصول إلى الغايات والأهداف، والمدخل الذي يمثل الخديعة هو إيهام المكون الكردي بإقليم كردي مستقل في شمال سوريا وقريب من خاصرة تركيا. والسذاجة الكردية هنا أن التدخل العسكري الجوي السوري لمنع تقدم “قوات سوريا الأميركية” “الأسايش” هو غزل سياسي لتركيا ـ إردوغان، وعدم تفسير قبولهم أوامر سيدهم الأميركي بخيانة وطنهم والمباشرة بتمزيقه أنه ينقلهم إلى مظلمة تاريخية جديدة، وإلى عار تاريخي سيبقى وصمة في جبينهم ينسف كل ما يعتبرونه مظالم تاريخية.

إلى الأعلى