الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / خطط الهجوم مستمرة

خطط الهجوم مستمرة

كاظم الموسوي

كاظم الموسوي
كاتب صحفي عربي ـ لندن

قبل غزو العراق كانت الإدارة الاميركية تعمل بكل اجهزتها لوضع الخطط والوسائل للغزو وشن الحرب. وهو ما استفاض في شرحه وتوضيحه الكاتب والمؤلف الاميركي بوب ودورد، لا سيما في كتابه، خطة الهجوم. ولعل استعادة ما كتب درس لمن يقرأ ما يحصل اليوم في منطقتنا من خطط هجوم صهيو ـ غربية مشتركة. في الفصل العاشر من كتابه المذكور شرح العمليات القائمة التي اخذت طريقها إلى التنفيذ بعد ذاك. فذكر مثلا ان المسؤول عن الملف العراقي في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ((CIA، رئيس عمليات العراق، كان اسمه (شاؤول) (لماذا وماذا يعني اختيار هذا الاسم؟!) كان قد اعد الخطة مع معاون مدير الوكالة، جون ماكلوخلين، وكان شاؤول قد التقى وزير الحرب دونالد رامسفيلد في الاول من شباط/ فبراير 2002 وقدم له تقريرا موجزا عن خطة سرية لدعم جيش الولايات المتحدة في عمليات تغيير النظام في العراق، وكانت وزارة الحرب قد بدأت اجتماعات اسبوعية حول العراق في ذلك الشهر (أي لمدة طالت اكثر من سنة قبل تنفيذ الغزو في آذار/ مارس 2003). وذكر المؤلف ان شاؤول تأكد ان مصادره في العراق قليلة، كانت اربعة في وزارتي الخارجية والنفط، وانه لم يستطع، او ان الوكالة لم تستطع اختراق الجيش والأمن المقرب من رأس النظام. وفوجئ ان كل المعلومات عن العراق كانت تصل ادارته من جهاز الاستخبارات البريطاني. وأشار المؤلف الى ان واشنطن لم تملك سفارة في بغداد، فكانت المصادر ترسل تقاريرها عبر الكومبيوتر ورموز معينة لأقمار صناعية لتنزل مباشرة عند الوكالة في لانغلي. واقتنع شاؤول ان العمل السري لا يستطيع وحده التخلص من النظام ولا بد من اجتياح عسكري. وعمل بموافقة مدير الوكالة جورج تينت ومعاونه ومعاون مدير العمليات على وضع امر استخباري سري جديد لتغيير النظام في العراق، ما لبث ان وقعه الرئيس بوش الثاني، في 16 شباط/ فبراير. قضى الامر بأن تبادر الوكالة إلى توفير الدعم إلى الجيش الاميركي في اسقاط صدام، وتضمن سبع صلاحيات صريحة جديدة:
1- دعم الاطراف المعارضة الراغبة في ازاحة صدام جماعات وافرادا.
2- تنفيذ عمليات تخريبية داخل العراق.
3- التعاون مع بلدان ثالثة – مثل الاردن والمملكة العربية السعودية- ودعم عملياتها الاستخبارية السرية.
4- تدبير عمليات اعلامية لنشر معلومات دقيقة عن النظام.
5- ادارة عمليات تضليل وتمويه لتضليل صدام وقيادات النظام السياسية، الاستخبارية، العسكرية، والامنية.
6- مهاجمة وتخريب موارد النظام ومصارفه ومؤسساته المالية.
7- احباط حيازة النظام لمواد ذات علاقة بجيشه، وخصوصا برامج اسلحة الدمار الشامل لديه.
وشرح النقاش على هذه النقاط وتكاليفها المالية والأعداد التي يمكنها تنفيذها. وذكر ان في 20 من الشهر، أي بعد اربعة ايام من اصدار الأمر، دخل فريق مسح تابع للوكالة إلى المنطقة الكردية من شمال العراق، تمهيدا لنشر فرق شبه عسكرية تابعة للوكالة كانت تحمل اسم NILE المكون من الاحرف الاولى لعبارة عناصر ارتباط شمال العراق باللغة الانجليزية.
في 28 من الشهر نفسه وصل الجنرال تومي فرانكس إلى مكتب رامسفيلد محملا بملفين سريين للغاية، كل منهما بحجم دليل هاتف منهاتن، فيهما ما يقارب 4000 هدف في العراق. وبعد مناقشات حولهما اتفق على التنسيق بين المؤسسات الاميركية العسكرية والأمنية والإدارة وترتيب جدولتهما حسب مستوى اهميتها وتنظيم خطط تنفيذها. ومن ثم وصل النقاش حول العمليات التمهيدية المطلوبة. ومن بينها نقاش حول الإعلام. عن امكانية اطلاق عمليات اعلامية ناجحة. وهذا ما يتكرر في كل ما تديره واشنطن وتوابعها، قبل وبعد تلك الاحداث.
ما تقدم به المؤلف في فصل من كتابه، وبإيجاز شديد اعطى صورة عما يخطط ويجري العمل عليه من قبل الادارة الاميركية والأهداف المنشودة منها والأعمال التي تتم في سيرها او ضمن اطارها. ومن القراءة فيما تقدم يشعر المراقب السياسي ان الادارة الاميركية حين تخطط لمشاريع وخطط تصب في مصالحها وأهدافها الاستراتيجية وخصوصا في منطقتنا العربية والإسلامية التي هي محور كل الصراع والهيمنة الامبريالية والخطط الصهيو ـ غربية تتحسب لكل ما يحيط بها من مستلزمات أو متطلبات أو تسهيلات ممكنة وكيفية الوصول إليها. وللأسف يتخادم معها وينفذها بعض حكومات عربية وأموال عربية وإعلام عربي، وهذا او هنا الكارثة الفعلية، فالعدو معروف وأهدافه معلومة وقوته وقدراته وأعماله معروفة ووسائله إليها لم تعد سرية أو مخبأة أو منكرة من جميع اطراف الصراعات. ولكن الخطر الكامن والمتأتي من تخادم حكومات في المنطقة وتقدمها في الحروب بالوكالة، بل وتوفيرها تسهيلات وسبل واسعة وكثيرة لتلك العمليات الاجرامية التي خطط لها ونظمت في اروقة الوكالات الاستخبارية الاجنبية، ولا سيما من لم يعرف بعد او تغطى في ظرف ما غير معروف هو المأساة وهو الذي يتطلب الانتباه له ووضعه في المكان المناسب له والسعي إلى ابعاده أو توقيفه عن المماهاة مع تلك الخطط الإجرامية.
كل يوم تتكشف اوراق ووثائق تعري تلك الخطط والمتعاملين بها ومعها وتقول بصراحة عن خطط ومشاريع الهيمنة الامبريالية ونرى ما حصل ويجري من تخريب ودمار وتفتيت وحصار وضحايا لا تعد ولا تحصى في ميادين مختلفة، في الصراعات المسلحة أو الهجرة والنزوح، أو العطب الأخلاقي والتضليل وتشويه الوعي وتزييف القناعات وخراب العقول.
تبقى مسألة لا بد من الإشارة إليها، وهي ان ما ذكره المؤلف ليس كله منزلا، ولا بد من التعامل معه بحذر أو تدقيق له، ولكنه بعد كل الفترة الزمنية التي مرت عليه وما ظهر وبأن يجعل التنبه مما كشفه ضروريا، والتحذير من خطر ما فضحه، لا سيما ما دار حول اطراف عربية أو جهات عربية، وهي مكمن الخطر في المنطقة والعالم، امس واليوم..
لو لاحظنا اليوم ما يحصل في منطقتنا نجد تكرار تلك الخطط والأهداف في اكثر من بلد عربي، لا سيما تلك المبتلية بعمليات الحصار والحروب الداخلية، والإعلام المضلل وغيرها من العمليات والأعمال المؤدية إلى الكارثة.

إلى الأعلى