الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : في ذكرى سقوطها

باختصار : في ذكرى سقوطها

زهير ماجد

سنظل نتذكر المناسبات الأليمة العامة أكثر من تلك المبهجة التي ليست موجودة عامة ولا خاصة. فهل يمكن نسيان سقوط بغداد التي كنا ننتظر ما ستفعله من صور مقاومة لا مثيل لها ولا شبه. وهل يمكن نسيان بداية الحرب في سوريا، وما جرى في مصر وفي ليبيا وفي تونس وفي اليمن. بعد أكثر من ستين سنة ما زال الألم الفلسطيني حاضرا كأنه حصل البارحة .. صحيح أن المأساة الفلسطينية لها خصوصية لا شبيه لها، إلا أنها تظل تطن في العقل العربي كحالة يجب تصحيحها مهما كلف ذلك. ثم هل يمكن نسيان الحرب اللبنانية بكل مآسيها. وفي القريب لا يمكن نسيان حرب الاستقلال الجزائرية على قيمها التي قدمتها.
كنت اتطلع إلى الاجتياح الاميركي للعراق على التلفاز، يبدو ان الحروب اليوم تجري علنا وأمام جمهورها .. كأنما يراد تخويف كل آخر من اية حرب عليه. لهذا سقطنا جميعا في بغداد، رغم اني كنت اتطلع إلى الشوارع بحثا عن متراس أو ما شابه فلم يكن موجودا، أو قوى عراقية، لم تكن موجودة .. كانت الطرق والممرات مفتوحة أمام الغازي الجديد، وحين سقطت عاصمة الرشيد كان لا بد من تذكر الشكل القديم للاستعمار الذي جدده الأميركي في العراق وأعطاه تلك الحالة المريبة لجيش جاء من بعيد، من آلاف الكيلومترات، بزعم ابعاد عنه شر اختراق بلاده كما حصل في 11 سبتمبر. هنا يكمن كل الهم الاميركي الذي اصبح معروفا، خير الدفاع عن الذات ان تغزو الآخر حيث ما هو لتبعد عنك غزوه الممكن.
من المؤسف سقوط بغداد، لكن المؤسف أكثر ان تسقط عواصم عربية أخرى بأيدي ابنائها وبطريقة درامية مدهشة كما يحدث في ليبيا .. لم يعد يتمتع الليبي بسمعة تسمح له ان يكون مصححا أو مصلحا، بل مخرب من الطراز الأول. وها هي النتيجة التي بلغها ابشع من كل الصور التي سادت أيام القذافي .. كأنما العديد من الليبيين يتحسرون عليه وهم يخافون على بلادهم من التفتت او من ذلك الفلتان الذي ليس من امل بتصحيحه.
في ذكرى سقوط بغداد، لن يخاف السوري على بلاده .. اذا كان الجيش العراقي ومشتقاته قد اسقطوا بجرة قلم، فإن كل الحرب الهائلة على السوريين لن تنفع صانعيها أو منفذيها. دمشق مدرسة التحدي، وان كانت بغداد قلعة الاسود كما سمتها القاهرة.
اليوم يكبر العراق في خياراته وان كانت عذاباته لم تنته .. لم يعد خائفا على حاضره، مؤمن بأن مستقبله تتعهده المنطقة ايضا .. فإذا ما نجح السوري في ختم جرحه بشكل نهائي لصالحه، سيكون مدا للعراق وقوة. صحيح ان البلدين افترقا كثيرا، لكنهما يظلان صورة العروبة في أحلى مضامينها. وصحيح ان البعث لم يوحدهما، الا ان وحدتهما قائمة سواء يعترفان بها أو لا يعترفان.
الذاكرة العربية المفتوحة على الألم العربي تسجل اليوم أعلى ارقامها. ومع ذلك فهي غنية بالمعاني.. بانتظار عودة العراق إلى حضوره العربي الفاعل، سنظل نطل من الشام إليه، أو يطل هو إلى الشام، وحدة مسير ومصير.

إلى الأعلى