الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة :مجلس الدولة .. يفتح ملف القيم

العين الثالثة :مجلس الدولة .. يفتح ملف القيم

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كثير من علامات الاستفهام تطرح حول الأسباب والدوافع التي تجعل من مجلس الدولة يفتح ملف القيم عند الشباب خلال المرحلة الراهنة، فهل استشعاره بوجود أزمة قيمية هي في إطار التشكيل أم أصبحت ظاهرة؟ ولماذا تأتي المبادرة من الدولة وليس من الشورى ممثل المجتمع؟ هل وراءها قيادات محافظة تدق ناقوس الخطر على القيم أم أن المسألة ليست سوى ادوار تمارس في إطار التكامل؟ جناحا الإجابة على التساؤل الاخير سنجدها ماثلة في الواقع، من هنا، فإن هذه الثنائية قد يكون لها ايجابيات وسلبيات، فالفكر المحافظ سوف يتحفظ في الرؤية والمسميات معا مما قد ينعكس على النتائج وذلك حتى لا تثير الحساسية السياسية رغم ان القضية ينبغي أن تعالج من مختلف الرؤى دون تحفظ من حيث الماهية وحتى المفردات.
لن نختلف على وجود مشكلة متصاعدة في القيم، فكيف يتم حلها؟ وهنا قد يأتي الاختلاف؟ ولن نختلف كذلك على أن مجتمعنا العماني مهيأ لمختلف المتغيرات بسبب انفتاحه على الكونية ومستجداتها التقنية والاقتصادية، فكيف نحافظ عليه؟ وهنا كذلك قد يأتي الاختلاف، وهنا ينبغي الرهان على الشخصيات المشاركة في الندوة التي لم نعرف هويتها ولا فكرها، لكننا نرى أن الحل ينبغي أن نبحث عنه في إطار توافق مجتمعي على إطار قانوني يحافظ على القيم الثابتة دون أن يمس تفاعلات بلادنا مع الخارج، وهذا يعني أن القضية ليست محصورة في جيل دون جيل ولا شريحة عمرية ولا اجتماعية دون أخرى، وإن بدأت القضية كذلك، وإنما هي قضية عامة يدخل فيها الشباب وهم العنصر الأكثر عددا واستهدافا، وأكثر الشرائح تأثيرا وتأثرا، ويدخل فيها كل عماني بل وكل مقيم وزائر، فهل شهدت الندوة أمس أو ستشهد خلال يومها الأخير جدال حول قضية القيم عند شبابنا من منظور التداعيات أم الجذور التي تسبب التداعيات؟ وهناك فرق كبير بين المنظورين، وهل ستشهد الندوة صراعا ايجابيًّا حول توصيف القضية؟ من حيث هي ظاهرة أم مشكلة، أم الفريق المحافظ سيتمكن من فرض رؤيته المحافظة؟ تساؤلات نطرحها ونحن بعيدون كل البعد جغرافيا عن هذه الندوة المهمة جدا والجريئة جدا في توقيتها وفي مبادرتها، ورغم انها تستهدف الشباب والمؤسسات والفاعلين الذين لهم علاقة بالشباب الا أنها اي الندوة تفتح لنا مسئولية الدولة قبل الأفراد والمجتمع في المحافظة على القيم، كيف؟ من حيث المبدأ لا يمكننا فهم التوجه نحو رفع الوعي المجتمعي والشبابي بالقيم التي ينبغي أن تكون لها السيادة في التصرفات العامة بمعزل عن وجود تشريع يحدد القيم ويضبط السلوك حولها، فمن أساءه منظر شباب في اماكن عامة بلباس وتقليعات لا تمت لمنظومتنا الأخلاقية بصلة، فينبغي أن يكون نفس شعوره عندما يشاهد دخول الأجانب من الجنسين بشورتات قصيرة داخل بعض مستشفياتنا الحكومية وأمام اقسام النساء أو من يأكل من الأجانب في أماكن عامة في شهر رمضان، أو يمارس عاطفة تثير المشاعر وتخدشها في اماكن عامة .. الخ القضية لا بد أن تطرح من مختلف الزوايا، وربما تطرح فعلا، لكننا لم نراها فيما نتابعه حتى الآن عبر وسائل اعلامنا المحلية، وهذا ما يستوجب التذكير به على أن القضية ليست فقط قضية الشباب وإن بدت للبعض كذلك، وإنما هي قضية وطن، تخص الدولة كصاحبة التشريع، وتخص مؤسساتها الحكومية وكذلك الرسمية بمعنى مؤسسات المجتمع المدني، وما يظهره الشباب من تأثره بالخارج ما هو سوى نتيجة من نتائج عدم إدارة هذه المرحلة، تظهر على السطح بسبب غياب أدوار تلك المؤسسات، وإذا رأينا شباب في سلوكيات تتعارض مع قيمنا في المحلات التجارية مثلا، فينبغي أن نعلم أن وراءه غياب ادوار مهمة لمؤسسات المجتمع الرئيسية، وهي الحكومة والأهل والمجتمع، وهنا لا ينبغي أن نراهن على الوعي كخطوة اولى ومتقدمة عن بقية الخطوات سالفة الذكر، فتلك السلوك هي نتاج تراكمي لغياب التشريع أو عدم تطبيقه وغياب كذلك بقية الأدوار الأخرى، فلنأخذ مثالا عمليا للاستدلال به، لعله يأخذ به في الندوة أو تفتح به آفاقا أخرى، وهو يكمن في توجه تعزيز القيم والمحافظة عليها في احد المراكز التجارية الكبيرة الحديثة في صلالة بعد أن تحولت مشكلة القيم فيه إلى ظاهرة، وراءها شباب بلباس غريب وعجيب وتقليعات شعر دخيلة مخالفة لكل العادات والتقاليد، فقد قام المجلس البلدي بولاية صلالة بفتح حوار مع ادارة هذا المركز مما كان له تجاوب فوري وملموس النتائج، وكل من يزور هذا المركز سوف يلحظ لافتات تحدد السلوكيات والقيم التي ينبغي الالتزام بها، كما تمنع دخول الكلاب بعد أن اصبحت سلوكا شاذا جدا، وسوف نجد هناك حراسا بلباس عماني يسهرون على انتصار القيم، لكن، وهذا هو الأهم، هل هناك أمر محلي يمنع هذه السلوكيات والظواهر؟ إذ لا بد من مرجعية قانونية يستند عليها في حالة المنع حتى لا تسود الرغبات الشخصية، ونخرج بالتالي عن دولة القانون والحق، فحتى تجرم سلوكا أو فعلا ما لا بد من وجود قانون، فلو بحثنا عن هذه الجزئية المهمة، فلن نجد سوى فقرة قانونية قديمة جدا ولا تتناغم مع طبيعة المرحلة الراهنة، وهي ترجع إلى عام 1987 وتتحدث عن الذوق العام، فأين المشكلة؟ هل في السياسة أم في التطبيق؟ بل هذا الأخير يظل دائما في قفص الاتهام خاصة بعد التحولات السياسية والديموقراطية الجديدة في بلادنا التي أهمها تشكيل مجالس بلدية في كل محافظات البلاد، وأغلب اعضائها عن طريق الانتخابات، وقد أسندت لهذه المجالس اقتراح الأوامر المحلية وتقديمها للسلطة المحلية العليا في كل محافظة لاعتمادها، وهذا يعني أن القضية الآن من اختصاص السلطات المنتخبة في كل محافظة، فعليها اقتراح التشريع المناسب الذي يحافظ على هويتنا المجتمعية دون أن يكون على حساب انفتاحنا الكوني، وهذا التشريع ينبغي أن يخضع لنقاشات معمقة بين اعضاء المجالس البلدية والفاعلين في كل مجتمع محلي، وعملية اسناد التنظيم المجتمعي المحلي، خطوة سياسية في قمة الذكاء، لأن المجتمعات المحلية ادرى دون غيرها بمحتوى النظام العام والآداب العامة التي ينبغي مراعاتها، ولأنها بذلك تنأى بنفسها عن أية صراعات تحتية وفوقية مقبلة، ولأن هذا تطبيق مهم لتوجه اللا مركزية عبر منح كل مجتمع محلي الحرية المقيدة في تدبير وتسيير شئونه، مقيدة لأن في النهاية لا بد أن يوافق على الأمر المحلي الوزير في المحافظات التي يرأسها وزير أو المحافظ في المحافظات الأخرى، وهذه السلط المحلية العليا تمثل المركز بتمثيليه السياسي والإداري.
وينبغي أن لا يغيب عن وعي الندوة أن الكثير من القيم لا يمكن للدولة تمارس الآن دورها التقليدي في الحفاظ عليها لوحدها، حيث ينبغي أن يكون معها شركاء من داخل المجتمع، من هنا على الندوة أن تخرج بتوصية مهمة جدا، وهي الدعوة إلى استكمال المؤسسات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، فلو استكملت فسيكون هناك سهولة في حصر القيم المراد الدفاع عنها، مثل صندوق الزواج الحكومي وتشجيع اقامة صناديق مماثلة في كل المحافظات للدفاع عن القيم الأسرية والعفاف والزواج، والسماح بإقامة جمعيات مدنية لتعزيز القيم بعد أن انسلخ الغرب منها مثل، قيمة الشرف والعرض .. وهكذا، وكل جمعية سوف تخدم القيم التي أنشئت من أجلها، وكذلك الدفع بتشكيل جمعية للمدونين الشباب للدافع عن قيم حرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات وفق القوانين دون المساس بالخصوصية .. ومع ذلك لن يكون لدينا شباب نموذجي في عالم متغير ما لم يتأسس شبابنا في الإطار الديني، وهو أسمى صور الممارسة المتسقة مع الطبيعة الانسانية، فأهم ما يميز القيم في الإسلام عن غيرها من القيم معرفة خصائصها الفكرية والأخلاقية؛ لأن التَّربية الإسلامية تنظر للإنسان ككائن متكامل، الغاية من وجوده توحيد الله وعبادته، ولا يمكن أن تتحقق هذه الغاية السامية، إلا بإعداد المسلم إعدادا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الروحي والعقلي والخلقي والجسمي، فهل سوف تنظر الندوة للقضية من منظورها الشمولي ومن مكونها الديني أم ستغرق معالجاتها لما يظهر لها من تداعيات فوق السطح فقط، وبالتالي تنظر للشباب كأصل المشكلة وليس احد تداعياتها؟

إلى الأعلى