الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع.. أولى ثمار التطبيع المجاني .. عربدة إرهابية إسرائيلية في غزة والأقصى

شراع.. أولى ثمار التطبيع المجاني .. عربدة إرهابية إسرائيلية في غزة والأقصى

خميس التوبي

خميس بن حبيب التوبي
khamisaltobi@yahoo.com
العربدة الإرهابية الإسرائيلية في قطاع غزة المحاصر لم ولن تكون الأخيرة في سياقاتها الزمنية الثابتة، لكونها تعبيرًا تستدعيه الحاجة الملحة لإيصال رسائل متعددة إلى أكثر من اتجاه، سواء كان اتجاه محور المقاومة أو محور المطبعين أو رعاة التطبيع المجاني ودعاته الذين يقودون دفته بكل عنفوان سياسي ودبلوماسي ومالي، وباتوا يُسخِّرون كل طاقاتهم لإنجاحه تحت مبررات خادعة ومخدرة للسذج ولذوي الفهم السطحي من عوام الناس.
صحيح أن هذه العربدة الإرهابية الإسرائيلية في كل من الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة، والساعية إلى تصفية القضية الفلسطينية، تأتي في وقت أصبح فيه الوجع العربي أوجاعًا، وأمسى لكل عربي همومه ومواجعه، ولكل حصته من الألم وخريطة خاصة به من الإحداثيات التي قد تتقاطع أو تتشابه في بعض الأحيان، إلا أن الإرادة الصهيونية ـ الأميركية ـ الغربية مسنودة هذه المرة بإرادة التطبيع المجاني وبكل قوة، قد نجحت نجاحًا باهرًا في عملية العزل المقصودة لذاتها لكل قطر عربي، ولكل مواطن عربي، يكون مشغولًا بجرحه وبالبحث عن ما يبرئه ويخفف آلامه، لتسهل عملية الاستفراد بالشعب الفلسطيني وبقضيته وإيصالها إلى النهايات المعتملة والمعدة من قبل التيارات واللوبيات الصهيونية ويقودها عتاة الصهاينة المعبئين بأشد ألوان الحقد والكراهية والتآمر ضد كل ما هو فلسطيني وعربي. فلم يكن مستغربًا أن يقود ثورات “الحريق العربي” والمسمى زورًا وكذبًا بـ”الربيع” برنارد هنري لويس في ليبيا، ورمز اليمين المسيحي ـ الصهيوني المتطرف السيناتور الأميركي جون ماكين في سوريا، كما لم يكن مستغربًا أن ترفرف رايات “الثوار والأحرار” بمختلف تنظيماتهم ـ التي ما أنزل الله بها من سلطان ـ مثل “الجيش الحر وجيش الفتح وجيش الإسلام والنصرة وداعش وأحرار الشام” جنبًا إلى جنب مع رايات كيان الاحتلال والإرهاب الإسرائيلي، كما لم تكن المستشفيات الميدانية وفي تل أبيب وزيارات بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال والإرهاب الإسرائيلي لمن أطلقوا على أنفسهم وأُطْلِقَ عليهم من قِبل منتجيهم ومشغِّليهم مسمى “أحرار وثوار” إلا عنوانًا عريضًا لحقيقة “الربيع العربي”، وبرهانًا ساطعًا على رغبة التفتيت والتدمير؛ لكونها المنطلق الأساسي والمُمكِّن لتصفية القضية الفلسطينية، وولادة المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” الممتدة من النيل إلى الفرت من رحم “الربيع العربي”.
نعم لم تعد المأساة حالة خاصة أو استثنائية لدولة فلسطين ولشعبها المناضل الصامد المكافح، لكنها كقضية كافية لإعطاء الفارق بين محورين أحدهما يقود شرف النضال والمقاومة لكسر إرادة الأعداء ومريدي تصفية القضية، والوقوف أمام أصحاب حملات التطبيع المجاني، والآخر يقود الأمة من أرسانها إلى حتفها، ونهايتها، متأبطًا أيديولوجياته الخبيثة ذات الطبيعة الإقصائية الإلغائية المتساوية مع الأيديولوجية الصهيونية في كراهية التعايش الإنساني، والنهج القائم على نسف مظلات التسامح والاستقرار والرخاء والتنمية، والمتعطشة إلى سفك الدماء والتوسع، ومسخ الهوية بهذه الأيديولوجيات لأجل أن تسود دون غيرها.
إن العربدة الإرهابية في قطاع غزة هي دليل على الطبيعة العدوانية الإسرائيلية المتعطشة دومًا إلى إراقة الدماء والتدمير والتخريب دمار، لكنها في التوقيت جاءت لتبعث رسائل عدة، للداخل الإسرائيلي العاشق للخراب والدمار وسفك الدماء، وللمقاومة وللخارج:
أولًا: رد المتطرف أفيجدور ليبرمان وزير الحرب الإسرائيلي على منتقديه، من أجل تعزيز مكانته في هذا المنصب، وأن قصف غزة الذي وصلت غاراته إلى أكثر من ثلاثين غارة إرهابية غادرة جاء بناء على تعليماته التي أعطاها لجيش الإرهاب الإسرائيلي ما هو سوى بروفة تحضيرية وأنه جاهز لحرق القطاع بما فيه من كتل اللحم البشري التي يكتظ بها والبنايات والمزارع وتسويتها بالأرض.
ثانيًا: محاولة إيصال رسالة إلى المقاومة والخارج بأن شعاري “الجيش الذي لا يقهر” و”الحروب الخاطفة” لم تسقط بعد. وهي محاولة ـ دون شك ـ يائسة وعبثية لأن ذينك الشعارين سقطا منذ العام 2000م وتكرس سقوطهما في صيف العام 2006م، وزادت عليهما تأكيدًا المقاومة الفلسطينية في العدوان الإسرائيلي الإرهابي في العام 2014م، والمواجهة القادمة مع المقاومة اللبنانية أو حتى مع المقاومة الفلسطينية كفيلة ـ بإذن الله ـ بتغيير المفاهيم والصور التي حاول المحتل الإسرائيلي وحلفاؤه وعملاؤه ترسيخها وتكريسها عبر وسائل إعلامه والوسائل العميلة له في عقول الشعوب العربية، ليتأكد أن كيان الاحتلال الإسرائيلي هو “بيت العنكبوت” هذا التشبيه البليغ الذي أطلقه رمز المقاومة وعقلها حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله.
ثالثًا: العدوان الإسرائيلي الإرهابي على قطاع غزة جاء متزامنًا مع ذكرى جريمة حرق المسجد الأقصى التي قام بها أسترالي الجنسية يدعى دينس مايكل روهان، حيث أتت النيران على منبر صلاح الدين الأيوبي ومسجد عمر ومحراب زكريا ومقام الأربعين وأروقة وأعمدة وقبة ومحرابًا وجدارًا ونوافذ وسجادًا وجسورًا، وحينها قام كيان الاحتلال الإسرائيلي بقطع المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد في يوم الحريق، وتعمَّدت سيارات الإطفاء الإسرائيلية التأخر، فجاءت سيارات إطفاء عربية من الخليل ورام الله.
ومثل هذا التزامن في السياسة الإسرائيلية لا يأتي بمحض المصادفة، وإنما مخطط ومدروس بعناية، أراد المحتلون الإسرائيليون من خلاله إظهار مدى التغير الذي أصاب الوضع العربي والنجاح منقطع النظير في تغييره الذي بدأ ثماره في حملات التطبيع المجاني، ورفرفة رايات الإرهاب والتكفير جنبًا إلى جنب مع رايات كيان الاحتلال الإسرائيلي، ولو أن جريمة حرق المسجد الأقصى حدثت في الحادي والعشرين من أغسطس 2016م بالتزامن مع أكثر من ثلاثين غارة إرهابية على الأطفال في غزة، لما لجأ كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى الكذب بادعاء أن منفذ الجريمة (دينس مايكل) مجنون ولما اضطر إلى ترحيله إلى أستراليا، بل بمكافأته وحمايته، كما تحمي قوات الشرطة والجيش الآن قطعان المستوطنين الذين يدنسون الأقصى صباح مساء.

إلى الأعلى