الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يملأ الروس الفراغ؟

هل يملأ الروس الفراغ؟

أحمد مصطفى

د.احمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

■ منذ أكثر من عام، بدا ان الولايات المتحدة تركت الصراع في سوريا للروس ليقودوا أي عملية تسوية له عسكريا وسياسيا دون أن يعني ذلك خروج الأميركيين من المعادلة تماما. وابلغ الأميركيون حلفاءهم منذ فترة طويلة أن «واشنطن لن تخوض حروب أحد» وذلك ردا على الانتقادات المتزايدة من قبل المعارضة السورية وحلفائها الاقليميين للموقف الأميركي الذي اعتبر غير فعال في دعم المعارضة المسلحة خاصة بعد التدخل العسكري الروسي المباشر لدعم النظام السوري. ويبدو أننا في المنطقة ما زلنا لم نستوعب تماما حسابات المصالح الأميركية، أو لم نعرف كيف نعاير مصالحنا على حسابات واشنطن بعد. والنتيجة، أن الروس بدأوا بالفعل من خلال تقاطعات مصالح مع إيران وفي ضوء ما يبدو من تحول في السياسة الخارجية التركية يملأون فراغا فيما يتعلق بما يمكن وصفه «الخطاف» الدولي للأزمة السورية.

بالطبع لدى الروس مصالح في المنطقة تمثل سوريا فيها قاعدة انطلاق أساسية، كما أن موسكو تسعى منذ فترة للعب دور دولي أكبر وغالبا ما يكون الشرق الأوسط الساحة الأفضل لتحقيق تلك الطموحات بما فيه من صراعات وتعقيدات. ولم يكن التدخل العسكري الروسي في سوريا، الذي يعد رسميا بناء على طلب حكومة دمشق، من أجل تغيير موازين الصراع المسلح الدائر في هذا البلد منذ أكثر من خمس سنوات فحسب. بل كانت ساحة اختبار لأسلحة روسية جديدة، واستشعار امكانيات تحالفات اقليمية في منطقة ظلت لعقود كل «أوراق اللعب» فيها بيد الولايات المتحدة. وللأسف، يبدو أن البعض في المنطقة فهم هذا خطأ أيضا وظل يفكر بطريقة الحرب الباردة محاولا الاستفادة من تناقض روسي/أميركي لا وجود له في الواقع رغم الإقرار بتعارض مصالح البلدين أحيانا بالفعل. لذا لم يستفد من هذا التدخل الروسي، بالترتيب والتفاهم الواضح مع الأميركيين أكثر من إيران والآن تركيا وما زالت القوى العربية تراهن بشكل خاطئ وتجني نتائج لا تتناسب مع مصالحها وتطلعاتها.
منذ الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش قبل نحو عقد من الزمن، بدا واضحا أن الاستراتيجية الأميركية تغيرت لكننا في المنطقة ظللنا نتعامل مع الأمر بذات الأساليب القديمة دون استيعاب لهذا التغير. وما كان منا إلا أن اتهمنا الرئيس الأميركي الجيد باراك أوباما بأنه يدعم الإخوان (أو الإسلام السياسي عموما) وأنه يقدم المصالحة مع إيران على تلبية مصالح حلفائه العرب .. إلى آخر ما نقرأ ونسمع في السنوات الأخيرة. وتغاضينا تماما على أن النظام الأميركي ليس بهذا الشكل، ورغم اهمية توجهات الرئيس إلا انه في النهاية ينفذ سياسة واستراتيجية مؤسسة حكم ضخمة. وما كانت تلك الاستراتيجية سوى «فك الارتباط» المباشر مع المنطقة والعمل على حماية المصالح الأميركية بوكلاء محليين. كما أن سياسة «الفوضى الخلاقة» التي كان متصورا أن غزو واحتلال العراق سينشرها في المنطقة لم تؤت أوكلها. ومن ثم كيفت واشنطن أدواتها لحماية مصالحها بالبدء في التخلي عن الأنظمة التقليدية في المنطقة لصالح قوى جديدة كان الإخوان سباقين لالتقاط تلك المهمة.
وجاءت انتفاضات ما سمي «الربيع العربي» لتنتهي بدعم أميركي ـ وغربي عموماـ لتمكين «الإخوان» وأمثالهم من السلطة والحكم ولو قسرا أحيانا. وهنا برز التحالف الأميركي (والغربي عموما ايضا) مع تركيا كنموذج للإسلام السياسي ـ وربما كوكيل محلي في الإقليم يساعد على إنفاذ حماية المصالح الأميركية ضمن استراتيجية فك الارتباط. ولم تكن المصالحة مع إيران واعتماد سياسة «الاحتواء» معها إلا حلقة من حلقات تلك السياسة. وفي الوقت الذي كانت القوى الرئيسية في منطقتنا تعمل بطريقة رد الفعل، كان لاعبون آخرون يلتقطون سريعا تلك التغيرات في السياسة الأميركية ويعملون على الاستفادة منها بأقصى ما يمكن. ووفرت كل تلك التحولات فرصة لروسيا للعودة للعب دور خارج حدودها مستفيدة من بعض ثغرات السياسة الأميركية المتغيرة وردود فعل الأطراف المحلية عليها.
وكان بروز جماعات الإرهاب مرة أخرى (مثلما حدث في الصراع الأميركي السوفييتي في أفغانستان بداية الربع الأخير من القرن الماضي) نتيجة حتمية لتلك السياسات الخارجية والإقليمية والمحلية. وإن كانت بعض دول المنطقة حاولت بذكاء دفع المنطقة لتحمل مسؤوليتها في مكافحة الإرهاب، مدركة أن ترك ذلك للقوى الاقليمية والعالمية لن يكون في صالح الدول العربية عموما، فإن دولا أخرى رئيسية ظلت تتعامل بطريقة رد الفعل والتفكير داخل صندوق كليشيهات العلاقات الدولية قبل تحولات الثمانينيات من القرن الماضي. حتى مع دخل الروس المنطقة مجددا، يتم التعامل مع ذلك على أنه احتمال «ملء فراغ» سببته سياسة فك الارتباط الأميركية. تلك هي معضلتنا الأساسية، وفي الوقت ذاته سبب تحقيق قوى اقليمية مثل إيران وتركيا مكاسب على حسابنا.
وأول خطوة في علاج أي مشكلة هو الشخيص الصحيح، فلنعترف أولا أننا لم نستوعب بشكل صحيح تغير السياسة الأميركية قبل عقد من الزمن، وتعاملنا مع كل تبعات ذلك بطريقة خاطئة تتسم برد الفعل غير العقلاني أحيانا ـ حتى في الموقف من الاتفاق الإيراني مع العالم بقيادة واشنطن. والآن، لننتبه فالروس لم يدخلوا المنطقة ليملأوا فراغا بل ربما كان تقاطع مصالح بينهم وبين الأميركيين ـ رجاء لا تحلموا بحرب باردة جديدة لتفيقوا على مزيد من النكسات. ■

إلى الأعلى