السبت 19 أغسطس 2017 م - ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دس السُم فـي الاستهلاك اليومي

دس السُم فـي الاستهلاك اليومي

وليد الزبيدي

اصداف

وليد الزبيدي كاتب عراقي


مقولة يرددها الشعب الإنجليزي «no news is good news « أي عدم وجود أخبار أمر حسن، وهو تعبير عن ما تحمله الأخبار من امور سيئة تدهم حياة الناس وتؤذيهم، لكن شعوبنا يخالفون الإنجليز تماما بهذه القضية، فهم يتسابقون عند بداية كل ساعة للتنقل بين مختلف الفضائيات للتعرف على المكرر والمحزن والمؤلم في نشرات الأخبار.ربما لا يعرف الكثيرون الحقيقة التي تقول إن الأخبار السياسية التي تتحدث عن إرادات وسياسات دولية وإقليمية لا تفصح عن الفحوى الحقيقي للأحداث التي تتصدى لها، بل إن تلك الأخبار لا تفصح عن جوهر القضايا إلا بنسبة قد لا تزيد عن العشرة في المائة، لهذا يتفاجأ المستهلكون للأخبار بكثافة وبدون تمحيص بانقلابات في سياسات الدول الكبرى، فبينما يكون الصراع قد وصل اعلى درجات الشد بين هذه العاصمة وتلك، والذي قد يصل درجة الصدام المسلح، وإذا بالأخبار تتحدث في اليوم التالي عن اتفاقات وتقارب وربما معاهدات سياسية وتجارية، لكن صخب الأخبار وعنفوان الأحداث وتسارعها لا تسمح لمستهلكي الأخبار بالتوقف طويلا عن تلك المتغيرات وينشغلون بمستجدات الأحداث على الساحة المحلية والإقليمية والدولية، ويسير الناس ضمن موجات العاصفة غير ابهين بما يحاك في الغرف المغلقة وما تتفق عليه الدول وتقره اجتماعات وفود الدول بعيدا عن اسماع وعيون المتابعين، وفي الواقع يمكن القول إن أكبر المسرحيات التي يشهدها العالم تلك التي تسوق لأهدافها الأخبار من خلال وسائل الاتصال المختلفة، وأن الضحايا الحقيقيين هم الذين يتابعون تلك الأخبار ويستهلكون ما ترغب الدول بوضعه امامهم على شكل وجبات يتم دس السُم فيها بطرق ذكية ومتنوعة.
إن السواد الأعظم من الناس يشغلون اوقاتهم في الحديث بما يعتقدون أنه «سياسة» وفي واقع الحال هم يرددون ما تقوله وسائل الإعلام، دون أن يدركوا أن صياغة الأخبار لا تتم وفق حقيقة ما يجري ويحدث وإنما هناك متخصصون في صياغة الجمل وانتقاء المفردات للاتفاق وتوجهات هذه المؤسسة وتتناقض وتوجهات مؤسسات اخرى ، لكن الغالبية من «مستهلكي « الأخبار يعتقدون أن الاحداث متشابهة وأن الصياغات واحدة ، وهذا الذنب الأكبر الذي يرتكبه الناس بحق أنفسهم أولا وقبل كل شيء. لأن صياغة الخبر فن يقف على مرتكزات يتم فيها التلاعب بالحقائق بقصد اللعب على «المستهلك» وتسويق ما يرغبون دون أن يشعر هؤلاء بأنهم ليسوا بأكثر من ضحايا.
ليس هناك مفردة بريئة في متن الخبر وليس هناك لقطات متلفزة بريئة في الفضائيات وليس هناك تقديم وتأخير لهذا الخبر أو ذاك مجرد صدفة أو مزاج القائم على نشرات الأخبار، كما أن هناك الكثير من الفديوهات الأرشيفية يتم استخدامها في نشرات الأخبار يتوهم الكثير من المشاهدين معتقدين أنها تخص الخبر في حين لا علاقة لها بذلك على الاطلاق، وهي أرشيفية تعود لأشهر وربما سنوات مضت. تجتاح الناس حمى متابعة الأخبار وأصبحت ظاهرة الشغف بالأخبار لدى جمهورنا اشبه بمرض يصعب الشفاء منه رغم حجم التوتر النفسي والشد العصبي الذي يخلف أمراضا عديدة لدى الشغوفين بالأخبار والبرامج الحوارية التلفزيونية. ■

إلى الأعلى