الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / عزمي بشارة يرصد “العلاقة الوطيدة بين الحرية والأخلاق” في كتابه الجديد “مقالة في الحرية”

عزمي بشارة يرصد “العلاقة الوطيدة بين الحرية والأخلاق” في كتابه الجديد “مقالة في الحرية”

الدوحة ـ العمانية
يرصد الدكتور عزمي بشارة في كتابه الجديد “مقالة في الحرية” العلاقة بين الحرية والأخلاق.
ويقول بشارة إن كتابه الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، “نظريّ فلسفيّ بامتياز”، ولكنه في مرحلة ما ينتقد المعالجات الفلسفية وينتقل إلى الفلسفة العملية، مؤكدا أن الحرية موضوع خطِر ومصيري للإنسان والمجتمع، لا يقتصر الخوض فيه على تحديد الحريات كقيمة ومعيار تقاس أخلاقية الفعل بموجبهما فحسب، بل يفترض أن يتجاوز ذلك ليتضمن وعي الإنسان بالخيارات في مرحلة معينة، وضمن أوضاع تاريخية مُعطاة، ومدى دفع أيِّ خيار منها المجتمعَ تجاه تحقيق الحريات وضمانها، والمخاطر الكامنة في الخيارات التي لا تُحسب عواقبها على نحو صحيح، ومنها الإضرار بقضية الحرية نفسها.
ويتحدث بشارة في الفصل الأول الذي جاء بعنوان “دلالات اللفظ ليست غريبة عن العربية” عن لفظ الحرية ودلالاته بالعربية، ويرسم له مكامن تحدٍّ، أهمها القدرة على مغادرة النقاش الفلسفي عن الحرية، والانطلاق إلى مسألة الحريات وشروط تحقيقها وحدودها وعوائق تحقّقها في المجتمعات والدول العربية، وبانتقاله إلى تصنيف الحريات في العصر الراهن، يرى أن هذا التصنيف حاصل بين حريات شخصية ومدنية وسياسية، ويقول: “يمكننا موضعة حرية الفكر والإبداع الفني والأدبي بين المدني والسياسي، حيث لا يزال النضال لتحقيقها مستمرا، أو بين الحريات الشخصية والمدنية، حيث ما عادت ممارستها قضية سياسية”. ويشير الى إمكان السعي للحريات وتحقيقها وصونها بوصفها “حقوق المواطنة” في إطار الدولة فحسب، أما الجماعة القائمة خارج الدولة فتحوي السلطة السياسية في باطنها هي ذاتها، ولا حقوق فيها للفرد بما هو فرد، بل استحقاقات وواجبات تقابلها امتيازات مترتبة على انتمائه إليها ومكانته فيها.
وفي الفصل الثاني من الكتاب، لا يتفق المؤلف مع من يظن أن الإنسان يولد حرا، ويقول في ذلك: “على الرغم من حلم الإنسان بحرية الطيور، فإن الأخيرة ليست حرة، على خلاف البشر.
ليست حرة، لا في الرفرفة بأجنحتها، ولا في تغريدها.
أما البشر فيبحثون في النهاية عن حريتهم في مواضعها الأثيرة؛ النفس الإنسانية والمجتمع البشري المنظّم.
الحرية معرَّفة بالعقل والإرادة، مشروطةٌ بهما؛ ومن نافل القول إنهما لا يتوافران في كائناتٍ لا تملك عقلاً وإرادة. فلا حرية في الطبيعة”. ويرى أن الحرية هي القدرة على الحسم بين خيارات، وهذه القدرة ملازمة للإنسان يمتاز بها عن بقية الكائنات، ولا حرية للكائنات التي تقع دون الإنسان أو فوقه، الأولى بحكم طبيعتها، والثانية بحكم تعريفها.
ويضيف أن الديانات التوحيدية ميزت الإنسان من الملائكة بهذه القدرة على الاختيار بين الخير والشر، وجعلت الإنسان كائنا أخلاقيا يُتوقّع منه التمييز بينهما واختيار أحدهما، مثلما يُتوقّع منه بصفته كائناً عاقلاً أن يميز بين الصواب والخطأ أيضا”. ويوضح أن المقصود بمصطلح “الولادة حرا” أن الإنسان لم يولد عبدا، وهذه مقولة صحيحة ـ بحسبه ـ موجهة ضد العبودية بنفي طبيعيتها، لكن حتى شروط الحرية ومكوناتها، أي الوعي والإرادة، لا تتوافر في المولود البشري عند ولادته مباشرة، ولذا تبقى الحرية مشروطة بالوعي والإرادة والقدرة على تحمّل مسؤولية القرار المستقل في مجالٍ ما، كي يكون للاختيار علاقة بهذا المجال؛ إذ لا معنى للحرية في مجالٍ ما إذا لم يكن للخيارات علاقة به.
ويؤكد بشارة أن الفوضى الاجتماعية أشنع أنواع الاستبداد، لأنها تمنع ممارسة الحرية بالضرورة، ولأن الحرية غير ممكنة التحقيق إن سيطر التعسف والفوضى على حياة البشر، لكنها قابلة للتحقّق في ظل القوانين على الرغم من قدرة الأخيرة على حجب الحريات.
ويضيف أن العلماء يجدون صعوبة في التعامل مع فكرة الحرية علمياً، وربما وجد الفيزيائيون لها فسحة في فيزياء الكم وغيرها، وفي امتناع بعض المجريات الطبيعية عن التنظيم إلا من خلال علم الإحصاء، وعلى درجة معينة من الاحتمال فحسب، مؤكداً أن لا وجود للحرية من دون وعي وإرادة.
ويرى أن عبور حاجز الفكر الديني إلى المجال الوضعي لا يؤدي إلى الحرية بالضرورة، قائلاً إنه إذا كانت الحرية موضوع تنظيرات فلسفية ذات معنى، فلا بد من أن تكون هناك تنظيرات فلسفية في مجال الأخلاق، وتتمحور حول مقولتين: “شرطُ الأخلاق حريةُ الإرادة، والحريةُ قيمة”. ويضيف أن الحرية مسؤولية، وأن الإنسان مسؤول ليس عما اختاره وقام به فحسب، بل عن نتائج هذا الخيار أيضا، وأن الحرية السالبة لا تظهر بذاتها في التاريخ، لا كحرية اختيار مجردة، ولا بوصفها كسراً لأي قيد على هذه الحرية، وأن الحرية الموجبة لا تظهر وحدها من دون صيرورة تحرر.
ويقول إن هذه التصنيفات بين حرية سالبة وموجبة هي تصنيفات عقلية لعناصر غير منفصلة في الظواهر الاجتماعية، مشيرا إلى أن الحرية السالبة تنفي القيود، وإنها التحرر من إكراه الإنسان على اتباع نمط حياة مفروض، ورفض تقييد حرية الحركة وتكميم الأفواه، وهي إذا لم تشمل حرية الإنسان بأن يقوم بأفعال معينة تتجلى في حريات موجبة وتوفير الشروط كي يمارس هذه الحريات، فإنها تبقى مجردة.

إلى الأعلى