الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تأملات وقراءات في دلالات الحج

تأملات وقراءات في دلالات الحج

(5 )
ذكرنا في كتابات سابقة بعضَ التأملات والقراءات المتأنية في دلالات قوله – تعالى- :” الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ” ، ونواصل تلك الدلالات في هذه الآية الكريمة ، حيث يقول الله – تعالى – في تذييلها : ” وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ” البقرة / .197……….
وقوله – تعالى – : ” وتزودوا ” ، هو أسلوب إنشائي ، ونوعه أمر ، وغرضه النصح والإرشاد ، وهي كلمة مفتوحة المعنى، غير محدودة الدلالة ، فقد يكون التزود بالطعام والشراب ، وقد يكون التزود بالمال والرياش، وقد يكون التزود بالطاعة والعبادة، والذكر والتسبيح، وكثرة التقرب والسجود والدعاء ، ففتح القرآن الأمر، ولم يقل: ( وتزودوا من شيء ما ) ، لكنه أطلق المستزاد منه؛ لتذهب نفس المستزيد كلَّ متصوَّر ومتخيَّل من المستزاد منه ، وبصيغة الجمع (وتزودوا) ؛ لأن يد الله مع الجماعة، فلم يشأ أن يقول- جل شأنه- : ” وتزود ” ؛ لأن الموقف- وهو موقف الحج – موقف جماعي ، موقف أمة الإسلام كلها ، سواء أكانوا في المناسك أم يتابعونها عبرالشاشات من كل مكان في الكون .
فالتزود هنا معلَن للجميع حاجِّين وغير حجيج ، وقد تخيَّر القرآن الفعل المضعَّف العين: ( وتزوَّدوا ) بوزن ( تفعَّلوا) بدلا من ” استزيدوا ” بوزن ( استفعلوا) ؛ حتى تبذل النفس كل طاقاتها، وتستفرغ جهدها في الزيادة ؛ لأن التضعيف يدل على بذل المزيد ، حتى لا يبقى هناك زيادة لمستزيد في أن يزيد ، لكنه عاجل بعد ذلك، فجاء بالفاء الفصيحة أو الفاء العاطفة : ( فإن خير الزاد التقوى ) أي إن كنتم قد وقفتم على جمال وجلال المتزوَّد فاعلموا أن خير الزاد التقوى، أو تزودوا فالتقوى خير زاد لمن أراد الزيادة الحقيقية ، وهو أسلوب توكيد أداته: (إنَّ) ، وهي داخلة ذلك على جملة اسمية تفيد الثبات والاستمرار ؛ فإن خيرية زاد التقوى مستمرة، سرمدية، وأبدية ، لا تنقطع ولا تزول، ولا تغيض، بل تفيض ، وتفيض ، ولفظة: “خير ” هي أسلوب تفضيل، أي أن أخير زاد وأشده وأحسنه هو زاد التقوى، فهو الزاد والطعام الناجع، والنافع الذي يشبع العقل والقلب، والحس والوعي، والشعور، كما يشبع كذلك البطن والنفس، وهو أخير من أي زاد آخر، بدليل استعمال أفضل التفضيل: (خير) ، ف(خير وشر) أسلوبا تفضيل، حذفت همزتهما لكثرة الاستعمال، وأصلهما:(أخير وأشر)، “والتقوى” معرَّفة، أي أن دلالاتها معرَّفة مشهورة، مقرَّرَة في نفس كل إنسان، وخصوصا نفس المؤمن، الورع، التقي، النقي ، وهو أسلوب خبري يهدف إلى أن يكون زاد التقوى مركوز في قلب كل مؤمن، متعمِّق متجذِّر في فؤاد كل مسلم صدوق في دينه، وقد جاءت الجملة مؤكَّدة مرتين؛ مرة لكونها اسمية ، ومرة لكونها مبدوءة ب(إنَّ) ، فهو أسلوب خبري إنكاري، لتحمله مؤكِّدين؛ ليدل على أهمية هذا المعنى، وضرورة تحصيله، والسعي إلى تحقيقه ، وتحصيل التقوى هو غاية كل الطاعات في الإسلام ، ففي الحج يقول الله – تعالى – :” لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ” ، وفي الصيام يقول : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ “، وفي الزكاة يقول الله – عز وجل – : ” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ” ، وهل التقوى إلا تزكية وتطهير، ورقي وتنوير ، حتى إن بركات السماء وعطاءاتها تتنزل على من حصَّل فضيلة التقوى : ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ” ، حتى نجاة العبد في الآخرة هي نفسها مرهونة كذلك بتقواه : ” ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ” ، ومقياس الكرم ومكانة الصبر عند مولاه مقيس بمدى تحقيقه لأعلى مراتب التقوى : ” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ” ، حتى إن العلم وتحصيله أيًّا كان لونه وتخصصه إنما طريقه التقوى : ” واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ” ، وكذلك فإن صلاح الأعمال وغفران الذنوب مدخله وسببه هوالتقوى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ” ، والتقوى هي السبيل لنيل درجة الإحسان بعد الإسلام والإيمان : ” إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ” ، وإن عظيم الأجر منوط بالتزام طريق التقوى ، وإنَّ جعل المخرج وتيسيره من أي ضيق، أو أزمة، أو مشكلة- مرهون بسلوك سبيلها : ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ “، وكذلك: “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ” ، وكذلك تيسير الأمور ، ويسر الحياة، وسعة العيش منوط كذلك بالتقوى: ” وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً “، وكذلك كانت هي وصاة الله لكل الخلق من يوم أن خلق الله الأرض إلى أن يرثها بضرورة تحصيل التقوى : ” ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله”.
إن محبة الله وولايته ومعيته سبيلها الوحيد هو التقوى ، اقرأ إن شئت : ” بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين “، ونحو: ” والله ولى المتقين ” ، ومثل: ” إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون “، وهي مظنة كل فلاح ونجاح : ” واتقوا الله لعلكم تفلحون “، فلا غرو ولا عجب أن تقرأ قول الله – تعالى – : ” وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ” ثم تختم الآية الكريمة لترسخ ، وتؤكد على شعيرة وفضيلة التقوى : ” واتقوا الله يا أولي الألباب ” ، وهما أسلوبان: أسلوب أمر، وأسلوب نداء ، وحذف المفعول هنا (واتقون) لمعرفة المسلم به، (أي واتقوني) ، فهذا إيجاز بالحذف لإكرام العبد وإعلامه أن الله يعلم أن العبد المؤمن يحب أن يتقي ربه، وأن العبد يدرك ذلك جيدا، وأن الله هو الذي يستحق أن يُخشَى ويُتَّقى، ، ثم ناداهم بأنهم أصحاب القلوب البارة ، العامرة، المطيعة الواعية، ولب الشيء هو جوهره وفحواه، وفؤاده وخلاصته، وعصبه، فمن كان تقيا ورث هذا الوصف: (أولي الألباب) ، وكان من أصحاب العقول الناضجة والأفئدة الحية، نسأل الله – تعالى – أن يرزقنا تقواه، وأن ينزل علينا حبه وهداه ، وأن يشملنا برُحماه ورضاه ، ويرزقنا حج بيته وزيارة مدينة نبيه الكريم، ومصطفاه والحمد لله في أولاه وأخراه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة – كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى