الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (120)

ناصر بن محمد الزيدي
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله ، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فـلا زال الحـديث عـن التـوكل والله يحب الـمتـوكلـين.
الـدافـع الـذاتي: ولـكـن لـماذا أوجـد الله في الإنسان دافـع الطـعـام والشـراب؟، والإجـابة سهـلة حـفـاظـا عـلى بقـاء الفـرد، ولـم أوجـد الله في الإنسان دافـع الجـنس؟، والإجـابة هـو حـفـاظـاً عـلى بـقـاء الـنـوع وإعـمار الأرض.
والله سـبحانه وتعـالى زود الإنسان الاعـتزاز بالـدين، ودفـع الـذات لـبناء الإنسان نـفـسه بنـاءً قـوياً، عــزيـزاً بصـلته بالله تعـالى، ولـولا دافـع تأكـيـد الـذات ودافـع الشـعـور بالأهـمية، لـعـاش الإنـسان ذلـيـلاً، وهـذا عـون مـن الله عـز وجـل للنـفـس البشـرية، لتعـمـل هـذا الـدافـع في السـلـوك السـوي، ويـبعـدها سـلـوك طـريـق الانحـراف فـضـلاً مـن الله وتكـرما ، ولأنه خـليـفة الله في الأرض.
فالإنسـان أحـياناً يخـاف عـلى سـمعـته، وأحـيـاناً أخـرى يخـاف عـلى شـرفه، ويخـاف عـلى مكانـته في المجـتمع، ويخـاف عـلى مـرتبـته، ويخـاف عـلى جاهـه مـن أن يخـدش وأن يمـرغ في الـوحـل، وأن يتحـدث الناس عـنه بالـمـكـروه، ويخـاف أن يفـتـضح ، ويخـاف أن يـسـقـط مـن أعـين الناس ويهـون عـنـدهـم فـيحـتـقـرونه.
ولـولا هـذا الـدافـع الـملـح دافـع الاعـتـزاز، لهـان عـلى كل إنسان اقـتـراف الـمعـاصي ولهان سـقـوطـه ممـرغـاً في الـوحـل، ولهان عـليه انحـرافـه عـن الطـريـق المسـتقـيـم ولهـان عـليه انغـماسه في المـعـاصي، طـبعـا ليس معـنى هـذا أنه في بني البشـر مـن هـانت عـليه نفـسه، كـلا ، ولـكـن الأكـثرية الـذين يخـشـى عـلـيهـم الانحـراف، قال الله تعـالى:( إن أحـسـنتم أحـسنـتـم لأنفـسـكـم وإن أسـأتـم فـلها) (الإسـراء ـ 7).
والفـطـرة السليمة لا تـشـوه العــزة، ولا تمـرغ صـاحـبها في الـوحـل، وإذا ما حـصـل مـثـل ذلك فإنـما هـي حـالات شـاذة، وحـالات اسـتثـنائية لا يقـاس عـليها، وتلك الحـالات ليست مـناط الحـكـم، نحـن حـيـثـما نقـول: الإنسان هـكـذا إنـما نقـصـد في الأعـم الأغـلب وفي الخـطـوط العـريـضـة، إلا أن هـناك لـكل حـالة مـن الحـالات حالات اسـتثـنائية، وخـصـوصـيات في الطـرف الأول والطـرف الثاني، ولنـضـرب مـثـلاً: لـو أن طـفـلاً في مـدرسـة رأى قـلـما وأعـجــبه، فأخـذ الـقـلـم فـوضـعـه في جـيبه وصاحـب القـلم اشـتكى إلى الـمـدرس، والـمـدرس سـأل الطـلاب فـلا أحـد يجـيـب، ولـو فـرضـنا أن هـذا الـمـدرس مـنع الطـلاب مـن الخـروج مـن الصـف، فـفـتـش الطـلاب واحـداً واحـداً، وضـبـط هـذا القـلـم في جـيـب أحـد الطـلاب، حـتى لـو أن هـذا الطـالب في الصـف الأول أو في الحـضانة أو في أي صـف.
لشـعـر هـذا الطـالب وقـد كـشـف أمـره بأنه سـرق قـلـما وكـذب، لشـعـر بآلام لا تـوصـف، وبخـجـل شــديـد وتمـنى لـو أن الأرض تبتـلعـه، فـما هـذا الشـعـور؟، هـذا شـعـور الاعــتزاز، الـذي أودعـه الله في الإنسان، وليحـميـه مـن هـوى النفـس حتى لا يأخـذه الطـمع فـيأخـذ ما ليـس له.
لـذلك أودع الله في الإنسان هـذا الشـعـور العـظـيـم، مـن أجـل أن يبـتعـد عـن المعـصيـة تـرفـعـاً واعـتـزازاً وتأثـماً، فـنحـن باديء ذي بـدء نقـول: أودع الله عـز وجـل في الإنسان دافـع الطـعـام والشـراب، ودافــع الجـنس ودافـع الاعــتزاز بالنفـس ويمكـن أن نطـلـق عـلى كل تلك الـدوافــع، الأسـماء المـتـنـوعـة التالـية:(الشـعـور بالأهـمـية أو تأكـيـد الـذات أو إثـبات الـذات أو دافـع الاعــتزاز بالنفـس).
فـلـو جـلسـت إلى أي إنـسان يقـول لك مفـتـخـراً: أنا لي مـوقـف لا ينسى، هـذا يـقـول لـك: أنا فـعـلـت كـذا وأنا في مصـلحـتي الأولى، أنا صناعـتي متـقـنة ولـن تجـد إنساناً إلا ويـعــتز إما بحـرفـته، أو بمهـمته أو بـماله، أو بصحـته أو بقـوته أو بنسبه أو بكـذا وكـذا.
إذن: ما أودع الله في الإنسان هـذا الـدوافـع، إلا مـن أجـل أن يقـيه السـقـوط وإلا مـن أجـل أن يقـيه الانحـراف، وإلا مـن أجـل أن يقـيه الفـضيحـة.
فينـبغـي ألا يسـتخـف أحـد بهـذا الـدافــع، دافــع الاعــتزاز ودافــع الشـعـور بالأهـمية، ودافـع العـزة والكـرامة، ودافـع تأكـيـد الـذات، ودافـع إثـبات الـذات، فهـو دافـع كـبير وخـطــير، وما أدعـه الله في الإنسان إلا رحـمة به، وما أودعه الله في الإنسان إلا حـصـنا له، يحـصـنه مـن أشـياء كــثيرة، وما أودعـه الله في الإنسان، إلا سـياجـاً منـيعـاً يحـول بيـنه وبين السـقـوط، في بـراثـن القـيـل والقـال.
ويحـكى عـن بعـضهـم، أن أسـتاذا دخـل عـلى تـلمـيـذ له، فـقـدم التـلمـيـذ لأسـتاذه خـبزاً قـفـاراً، أي خـبزا مـن غــير إدام، إذ لـم يكـن للتـلمـيـذ إدام، فأخـذ التـلـمـيـذ يتـمـنى بقـلـبه ، لـيـت كان لي إدام أقـدمه إلى أسـتاذي، فأدرك الأسـتاذ ما يـدور بخـلـد التـلـمـيـذ الـمحـب لأسـتاذه.
فـقـام الأسـتاذ وقال للتـلـمـيـذ: تعـال معـي فحـمله إلى باب أحـد السـجـون، فـرأى التلـمـيـذ الناس يضـربـون، وتقـطـع جـلـودهـم ويـعـذبـون، فـقال الأسـتاذ لتـلـمـيـذه: تـرى لـما ذا هـؤلاء يضـربـون ويعــذبـون؟.
قال التــلـمـيـذ لا أدري، قـال الأسـتاذ: لأنهـم لـم يصـبروا عـلى الخـبز اليابـس وحـده، لأنهـم ســرقـوا ليحـقـقـوا ما اشـهـته أنفـسهـم، فـوقـعـوا فـيمـا وقـعـوا فـيه، ولـو قـنعـوا بالخـبز اليابـس، لـكانـوا أراحـوا أنفـسهـم، واسـتراح الناس منـهـم.
والـرسـول (صـلى الله عـليه وسـلم) لـما سـمع الخـبر الـمـؤلـم، في قـذف السـيـدة عائشـة بنـت أبي بكـر الصـديـق ـ رضي الله عـنهـما، ورمـيـت بحـادث الإفــك وكـيـف بـقي الرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) شـهـراً كامـلاً، في أشـد حـالات الحـلـم وضـبـط النفـس، ولـم يتعـجـل الأمـر قـبـل أوانه.
إن ذلك التصـرف هـو درس لـنـا، مـن السـيرة العـطـرة للـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم) وللناس جـميـعـاً، فـلا يتسـرعـوا في الحـكـم عـلى الناس بغـير عـلـم ولا دلـيـل، فـإذا كان الـرجـل غـير حـليـم يصـبح كالـمـتـفـجـرات، تجـتاح الأخـضـر واليابـس، يـفـجـر نفـسه ويـمتـد شـرره إلى غـيره ولـذلك قالـوا:(إنـما العـلـم بالتعـلـم والحـلـم با لتحـلٌـم).
وللإنسـان ملـكـات، تشـعـره بـكـيانه وطـمـوحـاته، ولذلك هـو يـسعى لتحـقـيـق الـذات بأي طـريقـة يـراها، قـد ينخـدع الإنسان بالـمظـاهـر البـراقـة، فـتستهـويه تـلك الـمـظاهـر فـيـقـع في الـمـحـظــور.
ومـن ذلك أن رجـلاً تـزوج امـرأة جاهـلـة بأحـكام الـدين فـوقـفـت عـنـد بائـع، ومـن كلـمة إلى كلـمة، قالت الـمـرأة راعـنا نحـن جـيرانـك، ولـعــل الكلـمة مـن الخـضـوع بالقـول، فـفهـم البائـع شـيئاً آخـر مـن الـكـلام، فـهـم أنه ممـكـن أن يـزورها بالـبيت إن كانـت وحـدها.
فـذهـب البائـع إلى بيـت المـرأة سـاعة غـياب الـزوج، فاســتـنجـدت بـزوجهـا عـن طـريـق ابنها الصـغـير الـذي قـال لأبيـه: عـنـدنا رجـل في الـبـيـت يا أبي فـجـاء الـزوج بحـالة غـضـب شـديـد، أغـلـق الـبـاب وجـاء بالشـرطـة ، وفـضح زوجـته وطـلقها، ثـم نـدم عـلى ما فـرط فاسـتـفـتى في أمـره، مـا ذا يفـعــل وهـو يـريـد أن يـردها، ويـسأل ما هي الطـريقـة التي يمكـنه بها ردهـا؟.
لـقـد ارتـكـب حـماقـة كـبيرة، فـقـد أخـطـأت الـزوجـة لكـنها بـريـئة، ولـكـن خـطـأ الـزوج المـتسـرع كان أفـدح وأشـنـع، فأين العـقـول وأين التـعـقـل؟، وأين هـو مـن حـادثـة الإفـك التي أفــك الأفـاكـون، بإفـكهـم عـلى أطـهـر وأشـرف بـيـت عـلى وجـه الأرض، عـرض الصـديقـة ابنـة الصـديـق، زوجـة خـير خـلـق الله عـلى الاطـلاق.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى