الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصص قصيرة جدا

قصص قصيرة جدا

د . سعيد بن محمد السيابي
صوت جدي
1
جدي مات بعد صلاة العشاء. دفن في الساعة الواحدة ليلا. أعمامي الثلاثة كانوا صفا واحدا في صلاة الفجر. عماتي الست يجلسن صفا واحدا في البيت الذي أوقفه جدي للعائلة يستقبلن المعزين. صوت جدي وصل لمسامعي “وزعت عليكم الميراث أسهما بالتساوي، وكانت فوائدها لكم منذ سنين، فلن تختلفوا على ميراثكم بعدي”. الوحيد الذي لم يستوعبك يومها هو أنا يا جدي!
2
آخر بنات جدي تقدم لخطبتها شاب. اختلفوا أعمامي حول مقاييس الزوج. أرجعوا الأمر لأمهم كما قال جدي في وصيته لهم. أشارت ببساطة أسالوا صاحبة الحق!
3
العائلة تجمع في العيد في البيت الكبير. عمي الصغير أراد تغيير النظام فاقترح عليهم السفر. دمعة جدتي وأعراضها نحو صورة جدي. أنزلت كل دموع الأحفاد الذي يلتصقون بها. نكس عمي صاحب المقترح رأسه ولم يعد يتفوه إلا بصوت الحكمة منك يا جدي “العائلة أولا”.
4
أمهم تمارس تفقدها اليومي لمحيطها الأسري. نهضت باكرا على غير العادة وكأن أمرا عظيما أهمها. تطلب اجتماع طارئ لأبنائها. الكل هب للحضور وفي داخلهم توجس من أن هناك خطأ رهيب قام به أحدهم. افتتحت الاجتماع هل زرتم أخت جدكم بالمستشفى!
نظر الجميع لبعضهم واخذوا انفاسا مريحة، لكنها صعقتهم بحلمها ” وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ” كان صوت جدهم الزاجر الذي ردده على مسامعها!

5
يعد البعض البيوت مجرد جدران خرسانية وذكرى لأجساد هرمه رحلة عن دنيتنا وفي الحقيقة هي واقع تتلمسه الأسرة المتماسكة عاطفيا والمستقيمة أخلاقيا كالرحم الذي تلجأ له كلما احتاجت للأمان الروحي. ” اليوم أموت وأنا راضٍ” آخر جمله سطرها الجد في وصيته. كُتبت مقولته بالحبر السري على واجهة باب البيت الكبير. مازالت الأسرة رغم تمددها تتوافد لذات المكان “بيت الجد”.

شاطئان متجاوران
شاطئان متجاوران يربطهما البحر بأمواجه المتجددة وموسيقاه المتناغمة ومساواته بين الراكبين على سطحه وجميع الحيوانات التي تعيش في قاعه.
شاطئ الصيادين يعج بالحركة صباح مساء. ريحة السمك المعجون بالعرق والصخب والابتسامات التي لا تفارق محيا راكبي المراكب الصغيرة. الشاطئ ملك للطيور المحلقة تأكل مما خلفته رحلاتهم اليومية.
شاطئ الفيلات المليونية تقف أمامه المراكب عاجزة. نظيف كالصحراء القاحلة. ساكن الا من صوت الغراب. الحركة الوحيدة فيه تنبع من المناظير الموجهة لكل من يحاول التلصص بالنظر وليس العبور لداخل الأسوار الحديدية!

الميت الذي أيقظ الحرية
الكلب المدلل وجد قتيلا أمام فيلتها. وصل خبر وفاته للمسؤول الأمني وشكل اللجان. تم فحص جميع الكاميرات حتى النملة التي مرت في الشارع ساعة الوفاة. لا يوجد دليل لجريمة. كل ما هنالك قرار الكلب الخاطئ برميه نفسه من الأسوار العالية. لم تصدق ما حصل فقررت الاستعانة بالمراتب العليا من المستشارين وأجرت الاتصالات بالخط البرتقالي والاصفر وحتى الأحمر. ختم التقرير النهائي بتسجيل الواقعة ضد مجهول.
خبر في جريدة أعده صحفي صغير سمع عن الواقعة أثار دهشة صاحبة الكلب “الحرية هي الثمن الذي سعى لها الكلب مع سبق الإصرار والترصد وهو يعي قيمة ما فعله!

النوم في العسل
كالفئران تهرب من المركب الذي يوشك على الغرق ترك الدولة أبناء التاجر الكبير الذي قبض عليه بتهمة النوم في عسل الشعب.

العنيدين
على قارعة الطريق افترشت بسطتها. مر على انفصالها عن زوجها وولدها ثلاثة وثلاثون ربيعا. مارست جميع طقوس الابتهال بعد أن أغلق في وجهها تقزما فكريا ذكوريا كان أخوها الأكبر يقوده. “الابن له وأنت لنا” بهذا السيف القاطع فُصل بين قلبين كان العناد تلبسهما، وطيش الشباب غلب على روحيهما، والفروقات العائلية كانت وقود النار الخامدة التي اشتعلت بفعل المغرضين بينهما.
شوهدت سيارة مرسيدس تقف بجوار البائعة. نزل منها حذاء ماركة ويد ممدودة نحوها. ” أخوك أكمل أربعينيته اليوم فقط لذا قررت الرجوع لك”. جثت على ركبتيها وغطت وجهها وكأنها فقدت بصرها. “أمض إلى سبيل ربك. لن احتاج لكما” الجملة التي نطقتها صارخة بعناد أكبر وقلبها يتفطر حرقة مع عادم السيارة الذي تطاير بفرشتها بقوة مع الانطلاقة الجديدة!

إلى الأعلى