الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / إنـي مُـسـافِـر

إنـي مُـسـافِـر

هشام بن ناصر الصقري
إني مُسافِرْ
ما طابَ لي طعمُ البقاءِ على متاهاتِ التكابرْ
بهتَ الصباحُ وغارتِ الأحلامُ
كالأيامِ كالوقتِ المُهاجِرْ
وتلوّثت كلُّ الدماءْ
وتكَسّرتْ حتى مفاتيحُ الهجاءْ
وبَغَى الشقاءْ
كيدِ الربيعِ تعيثُ في جَسَدِ الشتاءْ
وكما انتهاكاتِ الجَهَامِ الفَظِّ في صدرِ السماءْ
والجرحُ في كبدي وفي الأحشاءِ غائرْ
إني مُسافِرْ

هلْ تذكرين؟

أيامَ أمتشقُ الصبابةَ كانتفاضاتِ المحابِرْ
وأخطُّ من دمعي فتوحاتِ اشتياقي
وأسيرُ تُسكرُني ترانيمُ التلاقي
وفمٌ يُدندنُ بالوفاقِ
خِصْبٌ بأذكارِ العناقِ
مُتفَلِّجٌ بشذا التَّبَتُّلِ والتأمُّلِ والتّخيُّلِ
أعجَمَتْهُ رؤى الفراقِ
وعلى وريدِكِ عالمُ اللهفةِ ثائرْ
إني مُسافرْ

هل تذكرين؟

وأنا انتظارٌ فوقَ أوراقِ الخريفِ
وفي الشتا والصّيفِ
في ليلِ الربيعِ
أتوَجَّسُ السُهدَ المُقِضَّ
ومَقْتَ معسولِ الهُجوعِ
وأنا انتظارٌ معْ لظى الأناتِ
معْ بوحِ الشُموعِ
أستنطقُ الجدرانَ من صَخَبِ الخشوعِ
وحكايةُ الأشواقِ تحبِكُني وتُوهي معصمَيّا
لا يا شموعي
ثوري ولا تتفَصَّدي فيّ انطفاءً واحتراقا
واستوقدي بدمي وتيهي في سما عيني ائتلاقا
وعِمِي انطلاقا
حتى أصوغَ رسالتي بدمِ الدُّموعِ
وأرتّلَ الأشواقَ آناءَ التَمَرُّدِ والخُضوعِ
وألفَّ دقاتِ الفؤادِ بِغُنَّةِ الحبُّ البديعِ

لا يا عهودي
أنا من تنزّهَ عن نساءِ الكونِ رحبَ الكبرياءِ
وتقلَّدَ استنكارَ فتنتِهِنَّ ، عفَّ عن الشَّقاءِ
فإذا بوجهِكِ يصطفي لهَفي ، وينخرُ في إبائي
ويثورُ فيَّ كما الرجاءِ
وأنا أهدهِدُ كبريائي
حتى غدوتُ أنا العليل وأنتِ لي كلّ الشفاءِ
وخشعتُ في عينيكِ موفورَ التبتُّلِ والدُّعاءِ
وأنا أهدهِدُ كبريائي

واليومَ لا تعرفُ إلا أنتِ روحي وشفاهي
قد همتُ في إِسمِكِ ما بينَ شرودٍ وانتباهِ
وحدودُ حبي فيكِ معدومُ التناهي
وأنا أردّدُ كلَّ حرفٍ في شرودٍ وانتباهِ

إني مُسافرْ

أزِفَ الرحيلُ ولم يعدْ بيني وبينَ الموتِ مانعْ
رتّبتُ شهقاتِ الضياعِ على حقائبَ من مواجعْ
وحجزتُ تذكرةَ الغيابْ
بدمٍ وذكرى وانتحابْ
وبكلِّ ليلٍ مُثقَلٍ بلَظى المدامعْ

فلتسدلي خلفي الستائرْ
ولتُعدِمي صفوَ السرائرْ
ولتُغلِقي بوحَ الدفاتِرْ
فوَربِّ هذا الكونِ لن تجدي مثيلاً لي
على ظهرِ البصائرْ
سيموتُ من بعدي التوَحُّدُ والتفاني
وتموت من بعدي هتافاتُ المَنابِرْ
وتغيبُ عن عينيكِ أنوارُ البطولةِ
سوفَ تنتحرُ المآثرْ
ويضيعُ هذا الكونُ في كَـفِّ التَّخبُّطِ والتَّسَلُّطِ والتناحُرْ
وستدركينَ بأنني في الحبِّ طمّاحٌ مُكابرْ

فلتحبسي أنفاسَكِ الغرثى
فإني اليومَ عن وطني مسافرْ

إلى الأعلى