السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التراث..

التراث..

المقامة الأحمد آبادية

روى الناصر بن فَتَّاح قال: سمعتُ بأن في أحمد آباد رجلاً له في الحديث اليد الطُّولى وقد شهر بِعُلُوُّ الإسناد، فجبت إليها الفيافي والمهامه، وقطعت في يومي ما يقطعه المسافر في عامه، وكان الرجل له في كل يوم من الأسبوع يوم معلوم لقراءة علم من العلوم، فاتفق – وكما يقال – لكل شيء سبب، أن دخلت عليه في اليوم الذي يقرأ فيه علم الأدب، ودخل عليه الشعراء ينشدون قصائدهم ويسألون مقاصدهم، فانجَرَّ الكلام إلى المطالع ومحاسنها والمخالص وأحاسنها، فقال بعض الحاضرين: لم أسمع لأحد من الأنام، مخلَّصاً كمخلص أبي تمام:
يقول في قومس قومي وقد أخذت
منَّا السرى وخطا المهريَّة القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنا
فقلت كلا ولكن مطلع الجود

فقال له رجل: يا قليل العقل ويا ضعيف النقل، أما تعلم أن هذا مسروق من صريع الغواني، ويعرف ذلك القاصي والداني، وذلك قوله:
تقول صحبي وقد جدّ الرحيل بنا
والخيل تَسْتَنّ والركبان في اللُّجم
أمطلع الشمس تبغى أن تؤم بنا
فقلت كلا ولكن مطلع الكرم

فقال الشيخ: لستما من المُخْلصين لاستحسانكما المَخْلصين، فقد قلت أحسن منهما وأتيت بما لم تبلغه معرفتهما فاسمعا هذا الفن مني وخذاه عني، ثم أنشد:
لما رأتني أحُث السير مجتهداً
وقد سَلَوْت عن الأوطان والغرف
قالت إلامَ ذهاب العمر في سفر
قد قدَّ من سقر هذا من السرف
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا
فقلت كلا ولكن مطلع الشرف

فانظر إلى المناسبة بين الشمس والشرق، والتصحيف بينه وبين السرف وبين سفر وسقر والتحريف بين قد وقُدّ والتقطا هذه الدّرر.
ثم إنه أخذ بيده كتاب الأغاني وشَرَع يتكلَّم على البديع والبيان والمعاني، فقال له رجل: ما رأيت في كتب التَّحسين أحسن من قول امرىء القيس في تشبيه شيئين بشيئين:
كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً
لدى وكرها العناب والحشف البالي
فقال: نعم أجاد غاية الإجادة وأفاد بذلك نهاية الإفادة، وكان بَشَّار بن برد يقول: مكثت مدة لا يأخذني الهجوع منذ سمعت قول امرىء القيس البيت، فقلت بعد أن سهرت السهر وجُوّعت الجوع:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
وقد عززتهما أنا بثالث ولو أحلف أن بيتي أحسن من بيتهما لست بحانث وهو:
كأنَّ الأرض والأضواء فيها
سماء زانها شُهُب النّجوم
ثم أخذ يعدد محاسن بيته وشهرته بين الأدباء وصيته، ولم يزل ينظم الدّرر في الأسلاك ويستنزل الدراري من الأفلاك، واستطرد إلى ذكر الدنيا وغرورها وشومها وكثرة غمومها وهمومها، ثم أخذ في المراقبة بعد حسن المصاحبة.
ثم رفع رأسه وقال: إني لأعجب من أكثر الرجال يقضي عمره في قطع البراري والرّمال، ويترك مثل هذه المجالس، التي يفتخر اللبيب بها وينافس.
ثم تنفَّس متنهّداً، وأشار نحوي منشداً:
تدور جهلاً مثل من قد دارا
كيما يسمّوك الورى دَوَّارا
مهلاً أبا الفتاح لا تغتر بالدنيا
فإن العقل فيها حارا
نقّ الجيوب من الذّنوب ورِجْسها
واحذر ولا تتحمّل الأوزارا
أوما ترى أبناء عصرك قد مضوا
وكأنَّهم لم يسكنوها دارا
وترى الأهلّة للشهور قد انحنت
مثل المناجل تحصد الأعْمارا
وانظر لأنفاس الأنام فإنها
قد أشبهت في فعلها المنشارا
والنَّاس كالأبقار في غفلاتهم
والموت فيهم أشبه الجزارا
فلم يبق في المجلس أحد إلاّ بكى، واستغفر الله من ذنوبه وشكا.
ثم قال: يا قوم إني أريد تطهير أولادي، فلا يدّخر جهداً من قدر على إمدادي، فبادر الجماعة بإمداده حسب الاستطاعة، وأنا بِعْت فروتي، حتى لا أخرج عن رفقتي، وقضى بنا بياض يومه، ونحن نرتع في رياض منثوره ومنظومه، ثم لما صلَّى بنا صلاة العشاء الأولى.
قال: الذهاب إلى البيوت الآن أحرى وأولى.
فذهب كل واحد مِنَّا إلى مكانه ومكانته، متعجباً من كثرة علمه وغزارته، ولما صَلَّينا صلاة الصُّبح وطلعت الشمس على رمح، ذهبنا إلى داره ومحلّه، فوجدناه قفراً عن أربابه وأهله، وسألنا عنه بعض جيرانه فقالوا: ذهب من آنه، وركب في سفينة، قاصداً مكة والمدينة.
وسألت عنه من كان عندي، فقال: هو أبو الظفر الهندي، فتأسفت على فراقه، وتأسّف الحاضرون، وقرأت عند ذلك (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ(54).سورة سبأ.
باعبود الحضرمي
———————-
الجاحظ والوراق

قال الجاحظ: سألت وراقاً عن حاله، فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سواداً من الحبر بالزاج، وحظي أخفى من شق القلم، وجسمي أضعف من قصبة، وطعامي أمض من الحبر، وشرابي أمر من العفص؛ وسوء الحال ألزم بي من الصمغ.
فقلت: لقد عبرت ببلاء عن بلاء.
———-

اكتمها على

صحب الغاضري رجلاً من قريش من مكة إلى المدينة فقال القرشي: يا غلام؛ أطعمنا دجاجةً، فأتى بها باردة، فقال: ويحك أسخنها.
ورفع غداؤهم ولم يؤت بالدجاجة، فلما كان العشاء قال: يا غلام، عشاءنا.
فلما أتاهم العشاء قال: هات تلك الدجاجة، فأتى بها باردة، فقال: أسخنها.
فقال الغاضري: أخبروني عن دجاجتكم هذه أمن آل فرعون هي؟ فإني أراها تعرض على النار غدوةً وعشياً.
فقال: ويحك يا غاضري اكتمها علي، ولك مني مائة دينار.
فقال: والله ما كنت لأبيعها بشيء.
ـــــــ
خير الكلام
اجتمع قوم من أهل البلاغات، فوصفوا بلاغاتهم من طريق صناعاتهم:
فقال الجوهري: أحسن الكلام نظاماً ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ونضد جوهر معانيه في سموط ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.
وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه؛ ففاح نسيم نشقه، وسطت رائحة عبقه؛ فتعلقت به الرواة، وتعطرت به السراة.
وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكور الفكرة، وسبكته بمشاعل النظر، وخلصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز في معنىً وجيز.
وقال الصيرفي: خير الكلام ما نفدته يد البصيرة، واجتلته عين الروية، ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيفه، ولا سماع يبهرجه.
وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته بمنشار التدبير، فصار باباً لبيت البيان، وعارضةً لسقف اللسان.
وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه، وحسنت مطارح معانيه؛ فتنزهت في زرابي محاسنه عيون الناظرين، وأصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين.
وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه بكرب معانيه، ثم أرسلته بقليب الفطن، فمنحت به سقاءً يكشف الشبهات، واستنبطت به معنى يروي من ظمأ المشكلات.
وقال الصباغ: أحسن الكلام ما لم تنصل بهجة إيجازه، ولم تكشف صبغة إعجازه، وقد صقلته يد الروية من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألف عذارى الألباب.
وقال الجمال: البليغ من أخذ بخطام كلامه فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالاً، والإيجاز له مجالاً، لم يند عن الأذهان، ولم يشذ عن الآذان.
ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام، ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، وإذا صدقت أنواؤه، اخضرت أحماؤه.
ـــــــــ

ما لك عندي شيء

كان لمحمد بن عبد الملك الزيات جار في انخفاض حاله، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد؛ فلما بلغ محمد ما بلغ شخص الرجل إلى سر من رأى، فورد بابه وهو يتغدى، فوصل إليه وهو على طعامه، فتركه قائماً لا يرفع طرفه إليه، فلما فرغ من أكله قال: ما خبرك؟ قال: قد أصارك الله أيها الوزير إلى أجل الآمال فيك، وصرف أعناق الناس إليك، وقد علمت ما كنت تنقمه علي، وقد غير الدهر حالي؛ فوردت إليك مستقيلاً عثراتي، مستعطفاً على خلاتي.
فقال له: قد علمت هذا، فانصرف وعد إلي في غد.
فولى الرجل؛ فلما صار في صحن الدار دعا به، فلما صار بين يديه قال له: والله ما لك عندي شيء، ثم أقبل على بعض من كان بين يديه، فقال: إنما رددته وآيسته بخلاً عليه بفسحة الأمل بقية يومه.
———————————————-
اصطرلاب الصابئ أهدى الصابئ إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلاباً بقدر الدرهم، وكتب معه، وكان حينئذ غاضبا عليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا
في مهرجانٍ جديدٍ أنت تبليه لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى
سموّ قدرك عن شيءٍ يساميه لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد
أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه فعفا عنه ووصله.
———————————————
تمَّت عبيدة كان لأحد الشعراء امرأة رعناء؛ فدخل عليها يوماً وهي مغضبة، فقالت: ما لك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهن؟ فقال: إني أفعل! وأنشدها:
تمّت عبيدة إلاّ في ملاحتها
والحسن منها بحيث الشمس والقمر ما خالف الظبي منها حين تبصرها
إلا سوالفها والجيد والنظر قل للذي عابها من حاسدٍ حنقٍ
أقصر فرأس الذي قد عيب والحجر
——————————————
لقد جحد واسعا قال خالد صامة: قدمت على الولد بن يزيد في مجلس ناهيك به، فألفيته على سريره وبين يديه معبد.
ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل عذيل الدمشقي، فجعلوا يغنون حتى بلغت النوبة إليَّ فغنيت:
سرى همّي وهمّ المرء يسري
وغاب النجم إلاّ قيد فترِ أُراقب في المجرة كلّ نجمٍ
تعرّض للمجرة كيف يجري لهمٍّ لا أزال به مديما
كأنّ القلب أسعر حرّ جمري على بكر أخي ولى حميدا
وأيّ العيش يصفو بعد بكر فقال: أعد يا صامة، فأعدت.
فقال: من يقوله؟ قلت: عروة بن أذينة يرثي أخاه بكر.
فقال: وأي العيش لا يصفو بعد هذا العيش؟!، والله الذي نحن فيه عَلَى رغم أنفه..
لقد جحد واسعا.
———————————————-
أعرابي في عرس قال الهيثم بن عدي: سمعت أعرابياً يقول: دخلت حضرتكم بعد عيد الأضحى، فإذا أنا بجمع عظيم عليهم أنواع الثياب من بيض وحمر وصفر، فكأنها زهر البستان.
فقلت في نفسي: هذا العيد الذي يذكر أصحابنا الحضر يتزينون فيه، ثم رجعت إلى عقلي فقلت: وأي عيد هو؟ وقد خرجت بعد الأضحى، فبينا أنا باهت أفكر في أمري إذ أخذ بيدي رجل منهم.
فقال: ادخل يا أعرابي.
فدخلت فإذا بمجلس منضد بالنضائد، موسد بالوسائد، وفي صدره سرير، وعليه رجل جالس، والناس صموت عن يمينه وشماله.
فقلت في نفسي: هذا الخليفة الذي يذكرون، فقبلت الأرض وقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقيل: اسكت يا أعرابي، هذا عروس ونحن في عرسه؛ فهيىء لي موضع في المجلس، فجلست فيه.
فقدمت هنات مدورات من خشب عليها ثياب متلاحمة النسج، فهممت أن أسند في ثوب منها أرقع به إزاري.
فقيل لي: مد يدك يا أعرابي وكل، فإذا هو ضرب من الخبز لا أعرفه، ثم قدمت أنواع من الطعام حلوة وحامضة وحارة وباردة، فأكلت؛ ثم أتي بأوان فيها ماء أحمر فجعلوا يصبون في أقداح ويشربون، فناولني منه قدحاً؛ فقلت: أخاف أن يقتلني.
فقالوا: يا أعرابي؛ إنه يهضم ما في بطنك، فشربته فحدث في قلبي طرب لا أعرفه، وهممت أن أهشم الذي بجانبي! فأقبلوا يسألون رجلاً، ويقولون: أمتعنا بنفسك، فأتى بهنات لها رأسان مشدودان بالخيوط المحصدة؛ فأقبل يضرب رأسه، فيخرج منها رعد كهزيم الرعد وزئير الأسد، ثم أقبلوا يضرعون إلى آخر ويرغبون إليه؛ فأتاهم بدابة من خشب عينها في صدرها إذا فتلت أذنها تكلم فوها؛ فطرب كل من حضر وطربت حتى تقدمت إليه، وقلت: يا سيدي؛ ما هذه الدابة؟ فقال: يا أعرابي؛ هذه يقال لها البربط.
فقلت: آمنت بالله وبالبربط، ثم سقوني قدحاً آخر، فأخذتني نومة لم يوقظني منها إلا حر الشمس من الغد.
———————————————-

إلى الأعلى