الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفخار النسائي في منطقة المغرب العربي ومدى شرعية الطرح الجمالي (1 ـ 3)

الفخار النسائي في منطقة المغرب العربي ومدى شرعية الطرح الجمالي (1 ـ 3)

دلال صماري باحثة وتشكيلية تونسية
في قلب تونس بين السماء والجبال، سجنان اليوم هي رمز من رموز تونس في الصناعات والحرف التقليدية المبدعة، هي التعبير الحي للتغيير حيث كانت ظروف الحياة منذ 20 سنة صعبة وحساسة ولكنها اليوم تطورت بشكل ملحوظ في عدة ميادين. تبعد هذه المنطقة حوالي 60 كلم على الحدود بين تونس والجزائر تقبع في صمت في قلب منطقة ريفية بين الجبال أين تجتمع ثروات هذه المنطقة والتي يقع استغلالها كأحسن ما يكون لتلبية حاجياتهم ولتحسين ظروف عيشهم.
وتعد صناعة الفخار في هذه المنطقة من أهم الحرف المتداولة والتي أصبحت من سمات المرأة الريفية هنا حيث تقاس المرأة بمدى حذقها لهذه الصنعة.
ورغم وجود صناعة الفخار بعدة مناطق أخرى من البلاد التونسية مثل براما بسليانة والدويرات بتطاوين …إلا أن فخاريات سجنان والجمّ في الساحل التونسي هي الأكثر ثراءا وتنوعا بين هذه المناطق، تجعل العين تتيه وتسرح بعيدا في هذا العالم الأنثوي الساحر والصامت الغني بالرموز والدلالات المغرية، عالم يتكلم لغة مكتوبة وطلاسم ترسم ملامح الذاكرة، ذاكرة تقدم خصوصية الأمكنة التي تنتمي إليها هذه الفخاريات، وتعبر عنها بكل ذاتية رغم تفرعها من غصن واحد هو المغرب العربي.
ورغم تواجدها في نفس الفرع (تونس) تختلف فخاريات سجنان عن فخاريات الجمّ فلكل منهما رغم تشابههما خصوصية تميزها وتزيد من جمالها.
فبالرغم من التشابه في التقنية المتبعة وفي طريقة الانجاز يختلف فخار الساحل وتحديدا الجم ّعن ما تنتجه نسوة سجنان من حيث الأشكال المقولبة ومن حيث الزخارف المعتمدة في تركيباتها المتنوعة.
حيث تقتصر فخاريات الجم على إنتاج نوعية محددة من الأشكال المتشابهة تختلف حسب الحجم تنتج وتباع حسب الطلب وبأسعار رخيصة، لا يوجد سوق لترويجها مثلما هو الشأن بالنسبة لفخاريات سجنان المتميزة بالتنوع الكبير في الأشكال والزخارف تباع على الطرقات وفي الأسواق، تنتج بطريقة متواصلة حققت نساء سجنان من خلالها أرباحا طائلة وشهرة فاقت حدود الوطن.
لكل منهما خصوصيات تميزها عن الأخرى وتجعل الباحث يتنقل بينهما في محاولة للامساك بأطراف الحكاية التي ترسم ملامحها نسوة ريفيات رغبن الفعل في المادة واستأنسن له، فأصبح عادتهن المتواصلة التي لا يحلو بدونها العيش، حرفة ولكنها متنفس وظيفة ولكنها ابتكار واجتهاد ذاتي ينم عن قدرة في التخيّل والتشبّع.
نسوة من الجم ينتجن، فيختلفن عن البقية، اختلافهنّ يميزهنّ ويبرز قدرة المادة على استيعاب أفكارهن والمزيد من الدلالات والاختلافات دون ملل أو جحود، هي دائمة الكرم تجود بطواعية وجمالية التّشكل، فتختلف بذلك وتتفرد.
فخارياتهن متشابهة من حيث الشكل تختلف أحجامها من وظيفة لأخرى تسحب مادتها الأولية من وديان مجاورة وخاصة واد حمودة، يجلب على ظهور الدواب ثم يمر بمراحل إعداده المعتادة، يزين بمغرة ترابية اللون وبقطع من الحلكة الكحلة معصور احمر يخلط بصمغ اليطم ليعطي لونا اسودا يستخرج لزخرفة القطعة التي تكتمل في النهاية لمّاعة بسمرة محمّرة تمتع العين.
لا تعطي نسوة الجم الصقل ودقة الصنع أهمية كبيرة، كما أنهن لا ينوعن الأشكال المقولبة بقدر ما يهتممن بانجاز أحجام متقاربة من حيث الشكل ومختلفة من حيث الوظيفة، وهذا لا ينفي عنها صفة الإبداع، أشكال غير مزخرفة وهي الغنّاية والمعجنة والمجمرة والكانون ….لا تتطلب زخرف نظرا لتعرضها اليومي للنار لكن جماليتها تبرز في بساطة أشكالها الموجهة أساسا للاستعمال اليومي.
أما الفخاريات المزخرفة فيكمن جمالها في شكلها الكروي الذي يميزها عن غيرها من الفخاريات الأخرى وكذلك في بساطة زخرفها. هي الفخاريات الأكثر ريفية وبدائية مما ما يزيد من جماليتها، مزوقة بمغرة ترابية مع زخرف اسود هي أحجام وظيفية بالأساس تتمثل تحديدا في أواني الشرب، والحلاب الذي يستعمل لتخثير وتجبين الحليب ويعد المحبس من أكثرها تداولا وهو حجم اسطواني له قطره بين 25و28سم وبطن بين 30و50سم، يمتد طوله من 30الى40 سم يحوي أربع عرى مزخرفة من الخارج، ويستخدم أساسا لإحضار الكسكسي ويسمى المحبس الصغير الحجم “نقص”يمتد زخرفه على نصفه العلوي فقط.
كذلك الرواب أشكاله متفاوتة الأحجام يحتوي ثلاث عرى يمكن له أن يسع من 3 إلى 7 لترات، أيضا الشاشية كروية الشكل تختلف عن الرواب في حضور ذلك الجزء الناتئ مكان العرى، اختلافات بسيطة بين فخاريات الجم سواء كانت على مستوى الحجم أو الوظيفة ولكنها تتشابه جدا من حيث الشكل الخارجي.
يستقر زخرفها على محيطها الخارجي يحيط أساسا بالجزء العلوي مأخوذة أساسا من النسيج تحديدا ما يسمى بالمشتية وهو رداء تنسجه وترتديه نسوة الجم.
مأخوذة أيضا من الوشم أساسا وشم الساقين،حيث تتمثل في نقاط تستخدم أحيانا بطريقة أفقية وأحيانا أخرى بطريقة عمودية، تسمى نقط أشرطة مقلوبة في مختلف الاتجاهات مصطفة لتكون ما تسميها نسوة الجم تبرشيم أو كنابز وعندما يتوسطها خط يربط بينها تسمى سلسلة الحوت أو جريدة، إضافة للخطوط المنكسرة عموديا وأفقيا، أحيانا بسيطة وأخرى منقّطة تسمى عروج أو عروج بنقاط، زخارف مستلهمة من البيئة المحيطة في ارتباط جد وثيق بنساء الجم وعاداتهم وتقاليدهم تضفي مسحة من الجمال العفوي على هذه الفخاريات التي بقيت تنتج في إطارها الضروري ولم تمر إلى إنتاج الكماليات كما هو الشأن بالنسبة لنسوة سجنان.

أما منطقة سجنان كما سبق وذكرنا تعد من أهم المناطق المعروفة بامتهان نسائها هذا النشاط الذي برعنا فيه وتألقنا من خلال التنويع في قولبة أشكاله والمرور إلى مرحلة إنتاج فخاريات للكماليات، أي إضافة إلى الجرار والمزهريات والأطباق …اتجهن إلى قولبة أشكال تزويقية ثنائية وثلاثية إضافة إلى قولبة منحوتات طينية في شكل حيوانات ودمى عرف إنتاجهن تنويعا وإبداعا لافتا تزوقه نسوة سجنان بتأن وإتقان، اعتمادا على الملونات النباتية أساسا معصور شجرة الذرو وهي نبتة تشبه أوراقها شجرة الزيتون وأخرى طبيعية كالمنغنيز تستخرج من نفس المكان. والمغرة المعتمدة على ألوان الطين البيضاء والصفراء والحمراء تستغلها النسوة بشغف ودراية لتبدعن تصوراتهن ،فخاريات فيها من الجاذبية ما يجعلها مميزة عن البقية. أشكال غاية في الجمال منها ماهو كروي وماهو اسطواني مخروطي، وتلك الأطباق المنجزة بتأن بالغ تبرز قدرة كبيرة ودقة بالغة في الصنع، تميّز تلك الزخارف فخريات سجنان، هي مثلثات ومربعات خطوط وأشكال هندسية صيغت بأسلوب مميز ومتفرد إضافة إلى تواجد الزخارف النباتية كالأوراق والأزهار والجبال والأشكال الحيوانية كالعصفور والسمكة وأيضا الخمسة والجمل… كلها زخارف مشتقة من السجل الطقوسي إما لإبعاد الشرور والعين الحاسدة أو لجلب الحظ .”كل الأشكال التي ترسمها ملاسات سجنان على مصنوعاتهن الطينية مستنبطة من بيئتهن الفلاحية ومن تجربتهن الحرفية في مجالات أخرى ،كما أنها محكومة أيضا بمرجعياتهن الثقافية الدينية …”
تتميز فخاريات هذه المنطقة بالأشكال البسيطة والوظيفية كالبرمة،المثرد والأطباق… كما تمييّز هذه المنطقة بفخاريات تزويقية بالأساس إضافة إلى تلك المنحوتات المركبة إنسانية وحيوانية.
فخاريات تجاوزت المعهود والمألوف أخذت من الأبعاد المميزة للجسد الآدمي والحيواني فأصبحت بمثابة تجل ثان لهذه الأجساد، حاملة في طيّاتها عدة تأويلات “فنيا فقد تحدد هذا النشاط بخصوصيات المجتمع النسائي السجناني الذي يمارسه….” فللمكان تأثيراته الواضحة وطين المنطقة يتبنى بالضرورة خصوصياتها ورموزها، بحيث يعكس حس نسائه العالي والمرهف الذي يختلف من قطعة لأخرى رغم الالتصاق الجغرافي.
فخاريات تقدم نوعا ما حالة تشكيلية لافتة لا تضحي بالواقع ولا تأخذه بحرفيته وإنما تحاول إعادة صياغته برؤية جديدة وموتيفات تبدو كأنها هاربة من التاريخ أو من تحت صخور، حفرت فيها السنون حكاية المرأة والطين في علاقتهما الأزلية.
كأنها نسيج كامل تتداخل عناصره وتفترق ببساطة وسذاجة، تتحرك على الدوام بطريقة فطرية وتتغير من خلالها التعبيرات باعتماد تعدد الخطوط والألوان والزخارف الهندسية، معزوفات نابعة من أعماق التراث، تعزف بطريقة بدوية بروح بربرية تتسرب ألحانها إلى مسامعنا لتطربنا وتعيدنا إلى أصولنا وجذورنا الأولى وتجعلنا في ارتباط دائم ووثيق بماضينا لاستعادة تصالحنا مع ذواتنا.
بساطة في الرؤية وانسجام وتوافق بين الشكل والزخرف يترك للمتلقي حرية التقاط المعاني والدلالات المبثوثة فيها ،هي أعمال ذات نزعة زخرفية، قوية الخطوط والألوان، حاشدة الرموز والعناصر، صلبة الوقع في عين المتلقي لكن في نفس الوقت رموز بسيطة فيها الكثير من الخبرة في التعاطي مع أدوات التعبير رغم سذاجتها وعفويتها.
وكأني بالمرأة البدوية أثناء تزيين فخارياتها هي بصدد وضع “ماكياج” شيء من الحمرة والكحل وأشكال وشم وزخارف منسوجات تلتقي كلها لإتمام حلة العروس الطينية، كانت هذه الفخاريات ملونة ومزخرفة في تنوعات وتشكيلات بديعة ولعل ما اتبعته النسوة في الرسم على ما تصنعه من أواني فخارية هو أسلوب فني ساذج لا علاقة له بما جاء في قواعد الرسم والأبعاد والنسب الصحيحة.
نساء أميات نظرن “….. إلى الحياة من خلال العمل الفني البسيط الذي مارسوه …تماما كالأطفال الأبرياء، ….ولكن بروح شاعرية فياضة وبتجاوب كامل مفتوح مع الأشياء والطبيعة والناس ،دون قيد مفروض يحول دون اندفاعهم العفوي،ودون مبادهاتهم التي تعتمد على خيالهم البريء وعلى ثقافتهم البسيطة جدا، فهم لا يهتمون بالنسب ولا يتقيدون بالأبعاد ولا يحفلون بانسجام علمي للألوان ، ولا يحاولون تأكيد الشبه …”
لا يتحقق التناسق والانسجام والتكامل والتناظر إلا إذا توفرت المهارة والتلقائية والعفوية والسذاجة في نفس الوقت، معرفة المواد والأساليب والطرق وحذق التزيين وإتقانه، وعفوية الفعل والتعبير والصدق في التعامل والإحساس بالمادة وعمق الدلالات والرموز المرسومة، والتي تختلف من محمل لأخر حسب خصوصية شكله العام، ووفق مفاهيم مستقاة من الطبيعة كالتكرار وتكرار شكل واحد عدة مرات قد يخلق اختلافا في التركيبة التي تختلف بدورها من قطعة لأخرى فما يرسم على الأطباق من رسومات يعتمد قاعدة تختلف عن ما يرسم على الأشكال الأخرى.
كما تختلف حركات المرأة في انجاز القطع من واحدة لأخرى حيث يتشكل جسدها فيصبح تواصل للقطعة يكملها، فلا مجال لانفصاله عن الخزفيات، فمنها ما يصنع والمرأة في حالة جلوس ومنها ما يتطلب الوقوف وأخرى تتطلب الانحناء…حركات متتالية هي ترجمة لشدة ارتباط هذين الجسدين، حركات تؤثر وتتأثر، جسد وجسد،امرأة وآنية، يتطبع الثاني بطبائع الأول فيصبح تجلى ثان له وهذه الصور اصدق دليل بحيث تظهر لنا شدة انسجام المرأة مع طينياتها إن صحة التسمية وشغفها بما تفعله فتقف وتجلس وتنحني…كلما تطلب الأمر ذلك دون كلل أو ملل.

وبالرغم من هذا الالتحام الشديد ففخاريات المغرب العربي هي تسمية شاملة تجعل القارئ للوهلة الأولى يضن بوحدتها في مختلف هذه المناطق، لكن هذه الممارسة النسائية تعتمد مادة طيعة وثرية إلى درجة تطبعها بطبائع الأنامل التي تصوغها، فتصبح تواصلا لها وللبيئة المصغرة التي تعيش فيها، والتي لم تكن أبدا بعيدة عن عادات وتقاليد وأعراف ونظم اجتماعية شاملة، فيصبح منتوجها ضرورة نفسية فهو تواصل لنشاطها اليومي ولزينتها، له وظيفة نوعا ما طقوسية تعبدية مثل استعمال المبخرة والرموز لإبعاد الشر والعين الحاسدة، والتغلب على القوى الخارقة كأنها رواسب من تقاليد وثنية بقيت حيّة في شكل وشام ومنسوجات وقد تجسد ذلك جليا في فخارياتها التي لا مجال فيها للانفصال عن كيانها وقناعاتها وواقعها.
تشتغل بأسلوبها الخاص الرموز الموروثة لتبث فيها من روحها ولتوظفها بطريقة تتماشى ونظرتها للقطعة المقولبة، فتثبت من خلالها ذاتها وتصبح عالمها الخاص الذي تتيه فيه بشغف ومتعة في الفعل”أليس من الطبيعي أن تبحث الصانعة عن معنى عميق لعملها وذلك بتعبير لا شعوري عن عدم التقيد بالتنفيذ الآلي لرسم مبهم”.
فتسافر بتلك الرموز لتطوعها لمشيئتها وتبدع منها أشكالا مميزة من فخارية لأخرى تبرز من خلالها تفردها عن ما سبقها، ورغم انطلاقها من نفس القالب إلا أنها تتناسل وتتنوع من فترة لفترة، فخاريات فيها من الابتكار والإبداع الذاتي الشيء الكثير يعكس بصمة الأنثى الفاعلة تسكنها في كل مرة لمسة ونفس جديد.
إبداع يثبت اختلافات واضحة من منطقة لأخرى في نفس القطر ومن قرية لأخرى في نفس المنطقة و أحيانا من مرآة لأخرى في نفس القرية…
حيث يقول نور الدين الهاني في هذا السياق “وقد لاحظت في خلال زيارة إلى المركز الجهوي لديوان الصناعات التقليدية بقفصة أن بعض النّساجات ينسجن حسب ميولهن وحسب ما تولده الصدفة أحيانا في تنسيق الألوان …”.
أي أن للصانعة دائما ذلك الجانب الذاتي والإبداعي الذي يسكنها وهو بمثابة تصعيد لأهوائها الداخلية ،نزعات جسدية طبيعية تجعلها تنسجم مع نسق الحياة ومع محيطها الذي تعكسه.
فتختلف بالتالي فخاريات هذه المناطق الثلاث لتبرز لنا تأثيرات المكان واضحة، رغم وحدة الزخارف والتقنيات المتبعة حيث تظهر في الظاهر ارتباطا ولكن في باطنها اختلافات نوعية إلا أن أسلوب المعالجة يختلف من امرأة لأخرى ومن مكان لأخر، وهذا ما سيتوضح أكثر الاسبوع المقبل مع التعرض لفخاريات نسوة الجزائر كنموج ثان.

هوامش:
المولدي لحمر، انتقائية التفكك والنمو في الأرياف التونسية، التحولات الحديثة في الصناعات اليدوية المنزلية بسجنان، دار سحر للنشر الطبعة الأولى، جانفي 2003،ص51 .
2 ، نفس المصدر السابق ص 59
عفيف بهنسي، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن، دار الكتاب العربي ، الطبعة الأولى، ص 15
، نور الدين الهاني، المفردة في الفنون التشكيلية،منشورات مركز الفن الحي لمدينة تونس ، البلفدير، معرض 1988،ص53
، نفس المصدر السابق ، ص53

إلى الأعلى