الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حكاية أرض

حكاية أرض

خير الشحرية
جلستُ طويلاً على ذاك المقعد أطيل النظر، وأمارس عزفي، وأسكب فيض حروف أخذتني لزمن فيه يحتضنني الصباح، وتداعبنى همساته الرقيقة.
تنتابنى لحظـات عندما أنفرد بنفسي، وأعيِش في داخلي، أفكر، وأحلم أن أمزق عالما، وأخيط آخر، وأبني قلاع الأماني وأنا أترقب شروق الشمس لأعود لرحم الطبيعة التي اعتدت عليه، وتضم ألق الصباح مع فنجان القهوة الصباحي.
أنشد كلمات الحب، وأجمعها، وأقنعها بأن توفّي مابداخلي إن استطاعت ذلك، وأنا على يقين أنها ستفعل لي كل هذا، حين تجتاحني بضع حروف قلتها ذات صباح، وأنا أنعم بأريج نسيمه بالآفاق، وأقيم على شرف ديرتي للإطلالة على عراقه ريفي وجماله.
الصباح في ريفي هدوء، لطالما كان يقرئني الحب والسلام والسعادة والفرح ليضيء زوايا الحب والخير، لتنساب إلينا من جبال أحلامنا كما ينساب الماء من أعالي الجبال، ليخلد عند وديانها، ويوقظني شيئا فشيئا، ويبدد العتمة من حولي لأرى في عيني الغيم تلك المروج وهطول المطر وتساقط أوراق الخريف وصوت الأمواج ملاحم عشق تعگس إشراقة فجر تنبعث فينا لتزين المسافات والدروب بربيع الزهر، ليكون موسمي أحلى وأنا أنظر بشغف إلى زخات مطر..
فيه أتلمسني بحثاً عني، فأجدني أغنيه يدندنها القدر على وتر يبرق وميضه في وريقات الأفق البعيد، حيث يتساقط غيثك إيقاعاً شهياً وجميلاً هناك..
هناك تغريني القصائد على ألحان جماله.
وفي ارتداد الصدى لها ألف حكاية في المدى، تأخذ قلبي في رحلة حيث أبحث عن سر سعادتي هناك، والتقيتها روحا ترافق جوارحي لتطول رحلتي.
أحمل معي شوقاً يجتاحني، يريد الخروج، ليغازل جمال السفوح وزهورا مغمضة العينين تغري للالتقاء بها لكي يقبـل أجفانها ويمسدها لتفيق حتى تراقص حبات المطر.
وخطر في ذهني سؤال..
أيُّ لقاءٍ هو هذا الذي يستل روحاً من روح، ويبعث الأنفاس لتلتقي بنبض القلب في واحات لقاء يحفه بستان جميل يعصف به ليعتلي صهوة السماء، ويلقي بسهام العشق للأرض، ويسلب الروح، ويشاغب بين الضلوع، ليكون سر السعادة عند طفولة.
في الصباح عندما تلتقي الأحداق بالذهول وتسافر إليه أكثر مما تستقر عندي؟ فما ألذ آيات الجمال فيك يا ريفي، وأنا أقرؤك، وأدرك الصباح فيك..
وأنهض مع بزوغ فجر الحنين، وأعيش فيك قصة خلود سعادتي، وأرسمك على أوراق ترقص الفراشات فيها، لـيحن الغصن، وتتمايل الأشجار ﻓﻮﻕ ﺷﺬﻯ ﺍﻷﺯﻫﺎﺭ، لتنفرد في أن تكون ريفا استثنائيا، ولوحة ما أجملها في سكون الصباح..
رسمت لها هدوءا كالليل عند غياب القمر.
فوجدت لون البحرٍ في قطرة تذرفها لتنسكب مشاعر تسبقني إليك، وتحكي لك إني كنتُ أرسمك فيزهر نبضي، وترسو شراعاتك على جود أفكاري.
وفي صفاء الماء شلال متدفق من أعالي الجبال، يتدفق فيه عشقك في دمي دون أكتفاء، وأكتبك في جبين الصبح حباً ونبضاً، وأنا أرى ورودا وأغصانا تصفق أوراقها لتبقى خضراء، وتكسوها المحبة، وأعيش الحب من أعماقي.
وفي شاطئ الذكريات تخلدك طفولتي المختبئة في داخلي، وهذا المطر يشبهها كثيراً في عشق الزهر ورسم الربيع والتفاصيل التي تبلل ذاكرتي ولن أقدر على الهرب منها.
وخريطتي حدودها فصول تغزلت بجمالها بأروع الصفات في خريف وصيف وربيع وشتاء ورسمتها بأجمل اللوحات.
واليوم أجدد اللقاء، وأعود إلى أحضانك، أستعيد طفولتي للحظات وأفك أسر مشاعري لتبدأ فصول خريف الاحتواء، تتجدد في أوقات أهدتني أياها ذات مكتظه بالحنين وملبدة بأغيم الاشتياق.
فمن أجلك خلق هذا الحب، وهذا العشق الأبدي.
ولأجلك صار للحب وطن هنا بين حنايا القلب ودقاته، به ترتوي أزهار الربيع المتساقطة.
كلما التقيته أهنئ عشقي المخلص له، ذلك العشق الذّي زرع في ثنايا الروح كـغيمة ممطرة، تسقي فتات الحنين، وتعيد للصباح الانطلاق والحياة ليستفيق القلم على حروف ليست مجرد حروف.
إنها الوحيدة التي تملك حق رؤيتك وملامستك لتنسج مكانها رداء يزهر بعشقٍ من ورود ونرجس وجوري وقصيده أشدوها مع أطياف حبك لـتملأني وأنا أختبئ بك، وألتقيكَ على مائدة المطر، وأنصتُ لنزف مشاعري، وأشعر بالرضا حين أفرغك من داخلي على الورق حين تكون ﺃﻧت ﺍﻟﺤﻜﺎية ﻭﺍﻟﺮﻭﺍية يا ريف ظفار البهي.

إلى الأعلى