الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / دردشة في محاولة الإجابة، مع الشعراء: صالح الخنيزي، وهادي رسول، و رائد الجشي)

دردشة في محاولة الإجابة، مع الشعراء: صالح الخنيزي، وهادي رسول، و رائد الجشي)

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

سؤال طرحه عليّ الشاعر السعودي صالح الخنيزي – من مدينة القطيف – في إحدى الدردشات الأدبية مع ثلة من الشعراء والنّقاد مفاده: ماذا يعني لك الواقع الافتراضي للأدب ؟.. هل يمكن أن يكون ذلك الواقع موجوداً في عمل روائي ما على سبيل المثال، بحيث يقوم الكاتب بكشفه فنستجيب له كمتلقين بدورنا، أم أن الكاتب يقوم بخلق ذلك العالم باستخدام الكلمات، المجاز وما إلى ذلك من أدوات ؟.

فأجبته بأن هذه جدلية تجمع على طاوله حِوارِها كل من:
1- الواقع كما هو.
2- الواقع كما يختلقه أو يتصوّره الكاتب.
هنا يتدخّل عقل المتلقي و وعيه وبصيرته ليطابق بين هذا العمل الإبداعي مع الواقع الحقيقي، على اعتبار أن هذا العمل الإبداعي افتراضي من قبل الكاتب وإن تنازع فيه كل من: (الواقعي) من جهة، والـ ( إفتراضي ) من جهة أخرى.
وكلما كان المتلقي متفاعلاً مع هذا العمل الإبداعي ويستطيع الاستفادة من هذا العمل..وتطبيقهِ كمثال من جهة ما على واقعنا، كلما كان هذا العمل ناجحاً ويبتعد عن الإفراط في الإفتراضية، وكلما كان هذا العمل بعيداً عن واقعنا كلما كان بعيداً عن النجاح وإمكانية الاستفادة منه.. وللموضوع علاقه بما ذكره ” أندريه ريشار ” في كتابه ( النقد الجمالي ) – ترجمة هنري رغيب – سلسلة كتب زدني علما – عندما تطرق إلى جانبٍ له علاقة بهذا الموضوع، فقال: ” إن القاعدة النقدية الأولى التي تتجلى لدى الكُتّاب هي قاعدة المشابهة .. فقد كان من المفروض على الأثر الموضوع أن يُشابهه تماماً النموذج..الأصل.. الذي أُخِذَ عنه .. ” – المصدر ص 11 -، وهو إما من واقع تام أو جزء من واقع ما، أو أجزاء من واقعٍ ما.
هنا علّق صديقي الشاعر صالح الخنيزي بقوله: جميل مقاربتك وإضافتك أستاذنا العزيز، وسأراجع الكتاب لمقاربة أعمق.
فأضفت له معلّقاً على جانب مهم يجب أن لا نغفله في هذا الموضوع من الناحة البنائية للنص، بحيث يمكن للمتلقي التعامل مع النص بكونه نص إفتراضي مخلوق من بِنى لغوية وبيانية وبلاغية، وهذه البِنَى الجامعة تشكّل صوراً جُزئية في مستواها، وصُوراً متوسطة في مستواها وصُوراً كلية في مستواها، وصُوراً خاصة وصُوراً عامة، – ونلاحظ هنا اختلاف المستويات – وهنا يمكن للمتلقي التحكّم في عملية التطبيق مع الواقع بنفس الطريقة الفنية التي لجأ إليها المبدع في تكوين نصه الأدبي وخلقه وإظهاره للقارئ، فالمبدع يُعبّر عن الواقع بطرقٍ كنائية جزئية ومتوسطة وكلية وخاصة وعامة، وكذلك نحن نطبق بنفس الأسلوب.. كل ما هنالك أن العمل الكنائي يَصغُر في جهة ويكبر في جهة أخرى.. وتتعدد مستوياته نظراً للعمق المعرفي للمبدع.
ونلاحظ أن التكوينات اللغوية للمبدع في جميع تلك المستويات التعبيرية ما هي إلا ضرب من اللغة، والحاكمية الحقيقية لها هي المشابهة مع الواقع التي أشار إليها ” أندريه ريشار “، أو المشابهة مع عمل إبداعي آخر بطريقة الاقتباس أو التناص أو التضمين أو النزوع إلى واقع إفتراضي آخر يؤدي بالمتلقي إلى جوانب أخرى من الواقع الحقيقي، ولا يستطيع الإنسان العادي كبعض المتلقين القيام بذلك، لأنه سيحتاج إلى الكثير من الخبرة الثقافية والفكرية والمعرفية.. ولا ينفرد ” أندريه ريشار” بقوله هذا، فقد سبقه أرسطو في تنظيراته حول الشعر..عندما تحدث عن المحاكاة.. وكذلك في التراث العربي نقرأ العبارة المشهورة : ” إنما هو حافر على حافر”.. وهكذا.
نلاحظ أن المبدع ينقلنا كمتلقين من مستوى إلى آخر، فيصعد وينزل ويستقيم ويلتوي، وهكذا كالنوتة الموسيقية، ولكنه لا يخرج عن اللعبة اللغوية.
وهذا تماماً ما أشار إليه صديقنا الدكتور محمد عبد الباسط زيدان عندما قال: ” واقع النص له جانبان: الول/ تشكيلي يتصل بعملية بناء النص، وهي لعبة لغوية جمالية – الثاني/ واقع معرفي-موضوعي.. وهذا يحتاج للبحث عن مستويات الدلالة “..
هنا تدخّل صديقي الشاعر صالح الخنيزي بقوله :” ليس من السهل الإجابة على سؤالٍ كهذا، فعملية الكتابة هي مزيج من الخلق والكشف.. فالخلق يتم عن طريق أدوات اللغة ومجازاتها التي تخلق عالماً آخراً قد يكون جزءاً من عالمنا، ولكن بعض عوالم الكتابة قد تتجاوز عملية كشفها لعالم إفتراضي يتجاوز في كشفه للواقع فيستمد الواقع حياته من ذلك العالم الإفتراضي النشأة، والجمالي في كشفه”.
فعلّقت على كلامه بقولي: وتبقى التّصورات في مقابل القراءات والتأويلات، والجدلية في هذا الجانب لا تنتهي، وإنما نحاول الإجابة ليس إلا..
ثم يعلّق الشاعر صالح الخنيزي بأفقٍ آخر في إطار الإجابة عن هذه الجدلية بقوله:
يسعى ” ج هيليس ميلر ” في كتابه ( عن الأدب ) للإجابة على هذه التساؤلات فيقول: ” باعتبار العوالم الأدبية عناصر الوجود الأولية، تلك العوالم تجسد خيالي لاحتمال بديل غير متحقق في العالم الحقيقي، وكل منها إضافة قيمة ولا يمكن الاستغناء عنها بأخرى، إنها إضافة تكمل العالم الحقيقي.
ويضيف أن ” ذلك لا يتنافى مع ما أقول به من أن لكل عمل أدبي حقيقته المنفردة مع تعريفات الأدب القائمة على مفهوم محاكاة الواقع أو الإحالة إلى الواقع وحسب، وإنما يتنافى مع مفهوم “هايدجر” للأدب والشعر، فـ ” هايدجر” يتحدث عن الشعر باعتباره تقديماً للحقيقة التي عن طريق عمل أدبي، ويرى أن الحقيقة التي يقدمها العمل الأدبي عالمية، فهي حقيقة الكينونة والوجود، وليست عنده شيئاً فريداً يوجد في عمل أدبي دون غيره ” كما يرى ” جيرار مانلي هوبكينز على سبيل المثال.
يقول ” ميلر ” باستحالة معرفة ما إذا كانت تلك الكلمات موجودة في عالم خفي أم لا، فذلك الخفاء هو واقع لم تعبر عنه الكلمات بعد “.
وأضفت إلى ما ذكره الشاعر صالح الخنيزي متطرقاً إلى ما ذكره ” تودوروف “:
” تودوروف ” في كتابه ( الأدب في خطر ) أشار – ضمناً – إلى أهمية الرجوع للأدب المرتبط بالواقع والذي يبني الأجيال ولا يهدمها، أي يجعل من الجيل متعلقاً بهذا الأدب، تعلقاً تفاعلياً، ليس لقيمته الجمالية كبيان لغوي إبداعهي فقط، بل كنص له تماس بالواقع بأي طريقة كانت.
لذلك عندما شاهد ” تودوروف” أن الجيل الذي يعيش بين ظهرانية مُبتعداً عن الأدب رجع له الحنين إلى الأدب القديم المرتبط بالمجتمع والواقع.
والآراء لكل من ذكرتهم وحتى تودوروف نفسه آراء حقيقتها نسبية وليست مطلقة، فهناك لحاظات وظروف وملابسات ينبغي مراعاتها، في الإحاطة بدور الأدب والحياة.
هنا علّق الشاعر صالح الخنيزي بقوله :سأمرّ على ” تودروروف لاحقاً ماراً بلغويين آخرين كـ “بارت” و ” جوليا ” وغيرهم، والحديث معك شيق – أستاذ عقيل – أكثر من المُتثيقفين الذين تهرّبوا من البحث والإجابة عن هذا التساؤل.
فكان ردي : سأبحث في بعض المصادر المهمة فأنا أيضاً مُتشوّق لمعرفة المزيد من الإجابات حول هذه الإشكالية التي طالما تحدث الكثير من الشعراء والنّقاد والمنظرين عنها في مقالاتهم وأبحاثهم وتنظيراتهم، وما إجاباتنا إلا محاولات في البحث عن الحقيقة التي نتصورها أمام أذهاننا فنعبّر عنها مُجتهدين.
هنا يضيف الشاعر هادي رسول ويُلقي ما بدلوه حول هذا الموضوع بقوله:
لعلّي أميل إلى تسميته بالواقع المُتخيّل الذي لا ينفك عن تأثيرات وهواجس الواقع الحقيقي، والواقع المُتخيّل المجازي الذي يذهب إليه الشاعر أو القاص أو الروائي لمنجزه الإبداعي بمختلف أشكاله بأدوات اللغة مرتهنا للمجاز ومهووساً بتقنيات التعبير الفني، وحيث أقول مرتهناً للمجاز فليس بالضرورة أن يقتصر ذلك على الإستعارات اللغوية البلاغية، وإنما قد يشمل ذلك فكرة العمل وما تحويه من أحداث و شخوص وانفاعلات أيضاً.
هذا الواقع المُتخيّل هو الرؤية الفنية التي يبدعها الكاتب ويُعيد فيها صياغة واقعه الحياتي كمكابدات إنسانية وتشظيات ذاتية واندغام مع الوجود في فضاء النص.
وهنا يعود الشاعر صالح الخنيزي مُعلقاً على ما ذكرته عن ” تودرورف “:
يقول ” تودوروف: ” إن الأدب يستطيع أن يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويعيننا على أن نحيا، ليس ذلك لكونه قبل كل شيء تقنية لعلاجات الروح، غير أنه وهو كشف للعالم، يستطيع أن يحول كل واحد منا من الداخل “.. وفي رؤية أخرى يتحدث عن الأفق الذي يتدرج فيه العمل الأدبي واصفاً إياه بـ ( حقيقة الكشف المشتركة ).. يقول تودروف: ” إن تلك الحقيقة تمكننا من فهم العالم الموسع الذي نفضي إليه حين نلتقي بنص سري أو شعري”.
ويصل في نهاية المطاف إلى : ” أن الأدب إذا لم يكن على صواب، فسيكون محكوماً على القراءة بالزوال “.
وفي الختام، ألا يمكننا التساؤل عن العلاقة الجدلية بين الواقع الإفتراضي للأدب و الحقيقة المتمركزة في ماهية العوالم التي تترسب في إدراكنا لهم نشأة الأدب، ثمة تساؤلات قد تثير جدلاً واسعاً في ظل الإشتغالات المابعد بنيوية ” كنظرية التناص” لكريستيفيا جوليا و ” موت المؤلف”، لرولان بارت، التي غيرت مفاهيم الأدب عما كانت عليه قبل قرن على أقل تقدير.
هنا علّقت على ما ذكره الشاعر صالح الخنيزي بقولي: ” جميلة هذه الجوانب التي أثرتها مما ذكره قامات كبيرة في الأدب العالمي، والتساؤلات المشروعة التي يُطلب من نقادنا الإجابة عليها، وإن كنت أرى خلاف ما ذهب إليه بعض النقاد العالميين في نظرياتهم التي قد تفصل بين الأديب كإنسان وبين نصه كتفاعل مع الوجود والعالم والواقع من حوله، وقد تباين النقاد أنفسهم في إطلاق هذا الرأي بنسب معينة من أديب إلى آخر، وأعتقد أن جانباً من جوانب دراسة الأدب له مدخلية كبرى في هذا الموضوع، وهو دراسات تاريخ الأدب، ودراسات علم إجتماع الأدب، فالأول له ارتباط بعامل الزمن، والثاني له ارتباط بعامل المجتمع، وكلاهما يكملان بعضهما لاستخلاص رؤية يمكنها من جوانب معينة الإجابة على التساؤلات التي طرحت في هذه الحوارية والجدلية، فالواقع الافتراضي الكامن في النص الأدبي ليس غاية في ذاته، وإنما هو ذات مُستقلة لها غاياتها في عاملي الزمن والمجتمع، المشار إليهما في الدراسات الأكاديمية لعلمي تاريخ الأدب، وإجتماع الأدب.
أما الشاعر رائد أنيس الجشي، فقد اكتفى بمداخلة في إطار الإجابة عن السؤال الأساس لهذه الجدلية، معتقداً أن الكاتب سواء كان شاعراً أم روائياً يخلق عالماً إفتراضياً، لأن الواقعي يسبب لديه إشكالية ما، ونقده للإشكالية أو بحثه عن تفسير لها يجعله يسأل ( ماذا لو ) بصورة تلقائية، هذا السؤال يتفرع ويتنوع إلى ( ماذا لو استبدلنا الموجود بآخر ) ( ماذا لو الغينا الزمن ) ( ماذا لو استعدنا التاريخ) ( ماذا لو كانت الأسطورة حية ) ( هل ستكتشف الظاهرة أو أجد الإجابة المرجوة)، فالعلم الإفتراضي في تصور رائد أنيس الجشي هو ذات حالة البحث، وهو نقد صريح للواقع المعاش، أو إشكال عليه وبحث عن آخر، وقد يناسب أسئلة الكاتب ولكنه ليس نتيجة البحث ولا إجابة الأسئلة.
وهنا نختتم هذه الدردشة التي هي بمثابة محاولة لتفكيك الإشكالية التي طالما أرّقت العديد من الأدباء والنّقاد، حول الواقع الإفتراضي في النص الأدبي وعلاقته بالواقع الحقيقة.

إلى الأعلى