الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تمّــــرُد

تمّــــرُد

إشراق عبدالله النهدي
لم تستفق؛ إلا أ ن الشمس لم تبالِ بها، إذ غرست بذرة ضوئية تسللت عبر نافذتها، ونبتت بغصون مشعة على وجهها وسريرها المركون مباشرة قبالة النافذة الوحيدة في الغرفة الفسيحة، التي تخلو من كل شيء، إلا منها والسرير، وخزانة ملابس قاتمة اللون، ضخمة البنية، تحوي ملابس مصفوفة بمنتهى الترتيب، وكأن شخصا ما يدأب جل وقته في ترتيبها بكل هذه العناية البادية في التنظيم والمثيرة للدهشة….
لم يتحرك لها جفن حتى الآن، متمددة على السرير الكبير، متمردة بعنفوان، تشاطر مساحته مناصفة مع كتابها المفضل، توأم حياتها، منبع يومياتها، ومصدر التفاصيل بكل حيثياته.
رن جرس الوقت المنفلت منها، ينبه غفوتها المرتدة إليها بكل استهانة، محرزة تفوقها الخمول على الزمن المهرول من دونها، تغافل سرعته وهي تتلوى بطء واقعها، تتجاهله في نومها، لتشحذ نفسها بالحلم الأخير لهذه الليلة لتواجهه به نهار الغد لاحقا بعد بضع سويعات…
اعتادت أن تغزو الليل نوما عميقا، هربا من فراغ وحدتها، تستسلم له طواعية بعد أن تخضعه لسباتها العميق، تعمد إليه بإخلاص وانتظام بوتيرة معروفة، تمثلها دون خرق، إلا إنها وبلا شك تنوء بالغدر على الصفقة المبرمة مع الزمن المنضبط في منبهها الصغير ذي العقارب السريعة التي تلدغ بطء الأحداث لديها.
استباحت لنفسها الاستخفاف بكل مجسات التنويه والتنبيه، فبالرغم من أن المنبه يطلق رنينه في تمام السادسة صباحا، إلا أنها لا تصحو إلا متأخرة في السابعة يوميا، تغالب الاستيقاظ في معترك النعاس؛ ملاذها الأوحد والآمن.
لم يستفق جسدها بعد، ولكن تحرشت يداها لتحتوي الكتاب ضما وحضنا، حشرته بين ذراعيها لعشر دقائق أو تزيد، تتحسس دفئه أو ربما تحاول تدفئته. ما زالت مغمضة العينين، تتلذذ بالكسل على طرف برعم نشاط ضئيل نال منها أخيرا. عمدت إلى فتح الكتاب على صفحة حفظتها عن ظهر قلب، ثم عانقت السطور بعينيها بحثا عن برجها، وانتقلت إلى تفاصيل مدونة بتاريخ اليوم، بدأت تقرأ بصوتٍ خافت، سرابي، ينحدر بعمقه إلى مساق روحي، تحاول الاندماج معه ليترسب في باطنها:
- مهنيا: مشادة ونزاع مع المسئول في العمل…. نصيحة: تجنب الغضب .
زفرت تنهيدة محبطة:
- أوووه. حظ منيل بستين ألف نيلة.
الأبراج تحذّرها من نزاع ومشادة!!! وهذه السنة بكاملها أكبر مشادة يمكن لها أن تكون. لا تكف المشاحنات بينها وبين مسئولها في العمل، تمنت أن يُفصل أو يُقعد هذا المتغطرس المتبجح، هكذا فكرت في نفسها بأمل فاشل يخذلها دائما.
ابتسمت باستهزاء، بينما تتمتم فقرة لاحقة تقول:
- عاطفيا: سوء فهم مع الحبيب. نصيحة: اغمريه بالحنان.
يا للحسرة. ليتها تجد هذا الحبيب المذكور ها هنا، ومن ثم ستُسعد بخلق سوء تفاهم معه. حاليا قررت أن تغمر نفسها بالحنان، عوضا عنه ريثما يظهر.
تتهيأ للعمل مثل كل يوم، لا شيء يخل بصفو الروتين، هي نفسها تلك الخطوات المكررة والرتيبة، نفس الملابس الرسمية للعمل، نفس مسحة الزينة الخفيفة جدا التي لا تُلمح، لا يتراءى لها أن شيئا ما سيتغير في حياتها.
حملت الكتاب تحاول دسه في حقيبتها اليدوية الكبيرة جدا، التي يمكنها أن تنزوي بداخلها، تحتمي أو تختبئ فيها كلما شعرت بالخطر، فكرت هكذا حينما ابتاعتها. تحتمي بالحقائب الكبيرة التي تستر وحدتها، كما تستر جزء جسدها المنحشر خلفها، كلما علقتها على كتفها؛ من جانب آخر تشعرها اتساعها بمدى صغر العالم كلما نظرت بداخلها. يُخيل إليها انه بالإمكان احتواء كل شيء في جوفها، حتى نفسها إذا رغبت في ذلك أمام أي موقف طارئ قد يحاصرها.
انفلتت من الكتاب بعض الأوراق المتشتتة، واستقرت على الأرض مبعثرة. أحست أن كارثة ما ألمت بها. تكاد أن تفقد أحداثها المستقبلية، فبدون الكتاب ستتخبط جهلا لا محالة في كل مناورة مع الحياة، ولن تدري ساعتها كيف ستتصرف أو ستتحكم في نفسها!
تملكها الضياع، كأن متاهة ملبّدة بالعواصف نشلت استقرارها النفسي، ولن يسعها النفاذ من التيه في أروقتها.
اقتنصها الهلع، فبدأت تركض خلف الصفحات المتطايرة تنتشلها من التحليق، وتتلقفها من الضياع. قعدت خلف مقود سيارتها، تحتضن نفسها مع الكتاب الذي أعادت جمع صفحاته الممزقة، أخيرا وجدت نفسها مطوية بسلام بين سطور الكتاب، وحمت معرفتها بالغد، مطمئنة بأن التوقعات ستتكفل بلجم تصرفات برجها المندفع غالبا.
انطلقت مسرعة نحو العمل، بينما تجول عقلها بحثا عن سبب انخلاع أوراق الكتاب من محلها. لم يستهلك البحث وقتا، فسرعان ما ارتدّت إليها ذكرى أختها يوم أمس، تسلت بقراءة الكتاب عند زيارتها لها، ولابد أن أحدا من أولادها الأشقياء مزقهُ دون أن تنتبه له.
قررت بامتعاض أن تحتكر الكتاب لنفسها، وتستأثر بما فيه لوحدها. فهذه التجربة كانت مريعة ومرهقة لها. خاصة وأنها نالت الكتاب بعد جهد جهيد، وترقب لطلبية أخذت شهرين من الصبر.
منذ فترة طويلة، وهي تبحر عشوائيا في عالم الانترنت. وجدت ضالتها عندما بدأت تقرأ للفلكيين وهم يتنبئون بالأحداث، ويترجمون الفلك وتأثيراته، وقد هالها الأمر أن يصدق بعضهم بينما يخفق أكثرهم؛ ولكنها تحب تمرير الوقت بهكذا مضيعة آمنة ومسلية، بدلا من غرف المحادثة (الشات)، التي يقبع فيها الكثيرون لهوا ولعبا ومخادعة بعضهم البعض.
وها هي الآن بأسلوب حياتها الممل، تعمد إلى النوم المفرط، والتهام الطعام بإغراق، وقراءة الأبراج إلى حد الهلوسة، تغوص في عوالم ذات غياهب شركية مظلمة، مغمورة بأطياف الفلكيين والمنجمين. ولكن ماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟!
فالوحدة تجرفها إليهم، ولم يردعها شيء عن تصديقهم يوما بعد الآخر. بل أنها تتوجس عندما يتحقق ما يتنبئون به، وتهلع بفرح مثير!
خافت وذعرت بالسابق كثيرا، ولم يعجبها الحال في البدء، ولكنها الآن؛ تعودت الانصياع لهم عن قناعة….ارتجلت من السيارة نحو الشركة، تسللت إلى مكتبها خفية، ارتعبت عندما رأت مسئولها يضبطها متلبسة بالتأخير، ابتسم لها بخبث؛ مؤكدا يقينه على رداءة أدائها الوظيفي، مبرهنا لنفسه بمدى تواطؤ عادتها اليومية مع التأخير المتزامن معها دائما.
تفادت النظر إليه، اتجهت مباشرة إلى مكتبها، وجدت على الطاولة كومة مستندات مؤجلة منذ الأمس، وبجانبها تقريرها السنوي الضعيف، بصقت سبة على ذكرى مسئولها، وبلعت علقة من الشتائم راكضة نحوه، ثم تقيأت كلها عليه بعصبية وزمجرة، دون مجال للاعتراض منه، وانصرفت مهرولة خارج المبنى، مخلفة وراءها وقعاً لقدم مطبوع على أشلاء اكتراث لم يعد يعنيها في شيء هناك.
تنفست الصُعداء وهي تراجع ما جرى، لفحها ندمٌ قارص لأنها ثارت دون تعقّل، ليتها تجمّلت بالصبر، ولكنها انزلقت بعيدا كعادتها عن سيطرة الأبراج التي نصحتها بتفادي الغصب، لا بد وأنها فُصلت الآن، غدت مقفرة دون وظيفة.
يا الهي، عليها الكف من ربط حياتها بكتاب متحدية لما فيه، فهي تقرؤه ثم تحاول مناقضته وبرهنة عكس ما جاء به، وكأنها بذلك تختبر إيمانها بفعل ما يناقض محتواه، ولكن لا تسلم دائما الجرة، فالعواقب وخيمة هذه المرة…
مهووسة بالكتاب، مولعة بشغف التصيد لأخطاء تنبؤاته التي لا تفلح هي مرارا بإثباته، تحاول التمسك بقشة، التي سرعان ما تبتل وتثقل نحو القاع غرقا. اقتنعت اخيرا وقررت أن تتخلى عن الكتاب وعن مرضها به.
وقفت بمحاذاة صندوق قمامة، استلت الكتاب وشهرته نحو مستقبلها المجهول بكل غموضه، تصالحت معه، وألقت بالكتاب إلى أن طار واستكان في أقصى الصندوق…
انتصرت لإيمانها، شعرت بأن شيئا ما غاب عنها، وتناقص منها، لعله دفء الكتاب الذي اعتادت أن تتشبث به كل صباح؛ لا يهم! ستشتري لاحقا دبا كبيرا أو دمية ضخمة عوضا عن الكتاب لتملأ بها فراغه الشاغر.
نظرت إلى نفسها، كأنها بُعثت من جديد، تفتحت منطلقة كفراشة، خرجت توا من قيد شرنقتها، تبتسم في جو التحرر، سعدت بانتفاضتها وهي المدمنة على متابعة هذه الأبراج منذ ثلاث سنوات، حيث قيدت حياتها في محراب أرصادهم للأفلاك والكواكب والنجوم وكل هذه الترهات التي كانت تسيطر عليها بينما هي الوحيدة التي لم تتمكن من الخضوع لعقلها.
كانت تفكر في هذا عندما استلمت رسالة من أختها في جوالها، فتحتها على عجل تقرأ مندهشة بما نصت عليه:
- لدي اكتئاب شديد، تشاجرتُ مع زوجي ليلة البارحة، أرجو أن تبلغيني بما ذكر في كتابك عن برجي اليوم؟

إلى الأعلى