الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ما معنى الطَّرب ؟

ما معنى الطَّرب ؟

نافذة لغوية (219)

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير كلية العلوم التطبيقية بصلالة balkher1971@gmail.com
ألف الناس أن يسمعوا من الإذاعات والفضائيات أو في الحفلات الغنائية بياناً تقديمياً يسبق كل مُغَنٍّ أو مغنية ، وبهذا التقديم يعرّفون بالمغني أو المغنية ، وربما ذكروا ماذا سيغنِّيان ، وفي معظم الأحيان يدور في ذهن السامع أنه سيستمتع بما سيُقدَّم ،أو سيطرب، ذلك لأنَّ مفهوم الطرب قد استقر في ذواكرنا بهذه الدلالة الايجابية ، أي أنَّه يتّجه إلى الفرح دون الجزع ، وهذا في الحقيقة والأصل غير دقيق لا عند اللغويين ، ولا في الشعر القديم ، إنَّما الطرب خِفَّة تصيب الإنسان ، لشدة السرور ، أو لشدة الجزع ، وتنجم عنه حركات مختلفة أو استجابات وردود فعل متباينة ، ومن مظاهر هذه الخِفَّة ما نراه يصدر عفوياً عن بعض الناس في الأفراح والأحزان والمفاجآت كالتصفيق والضرب واللَّطم والشهقة واطلاق الرصاص والتربيت على الكتف … ولعلَّ مثل هذه الاستجابات هي التي كان يقصد إليها اللغويون عندما عرَّفوا الطرب بأنه خِفَّة تصيب القلب أو الإنسان ، ومما يعزّز هذا الرأي من الشواهد الشعرية ما يُنسب إلى بشار بن برد أو إلى غيره في البيت:
يَقُلنَ : لقدَ بكيتَ ، فقلْتُ : كلا وهَلْ يَبْكي من الطَّرَبِ الجليدُ
ثم انظر إلى قول النابغة الجعدي :
سَأَلَتْني جَارَتي عن أَمَتِي وإذا ما عَيَّ ذو اللُّبِّ يَسَل
سَأَلَتْنِي عَن أُناسٍ هَلَكُوا شَرِبَ الدَّهرُ عليهِم وأَكَل
وأَرَاني طَرِباً في إِثْرِهِم طَرَبَ الوالِهَ أو كالمُخْتَبَل
فقوله : طرب الواله ، أي طرب المتحيِّر ، الثاكل ، والمختبل : الذاهب العقل. وبدهي أن المتحير الذي ذهب عقله حزناً ولهفة لا يكون إلا نقيض الفرح المستمتع على أن هذه الدلالة لم تقتصر على البكاء كما جاء في قول الشاعر : وهل يبكي من الطرب الجليد ولا على ذهاب العقل والتحير كما قال الآخر ، إنما كانت تعني إلى جانب ذلك المعنى الشائع اليوم من جهة أخرى ، فقد جاء في المعاجم أن التطريب في الصوت : مده وتحسينه ومن ذلك ما جاء في شعر الكميت :
طَرِبْتُ وما شَوقاً إلى البِيضِ أَطْرَبُ ولا لَعِباً مِنِّي ، أذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ ؟
وواضح أن المعنى هنا اتجه إلى ما نعرفه من مفهوم الطرب اليوم. كما أن معناه قد يدل على الشوق وشاهده قول ذي الرمة :
أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عن أشياعِهِم خَبَرا أم رَاجعَ القَلْبَ مِن أَطرَابِهِ طَرَبُ ؟
ولعل ذلك من قلق القلب وهُفُوِّه في إثر من يحب حتى لكأن خلجة ألمّت به عند تذكرهم كأنها خلجة الشوق المعاود . ولا يخفي ما للفظة الاضطراب ـ من الناحية الصوتية خاصة ـ من صلة بتنوع هذا المعنى .

إلى الأعلى