الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / قيمنا لاتزال بخير والحمد لله

قيمنا لاتزال بخير والحمد لله

المجتمع العماني مجتمع كريم ومتماسك وقيم التعاون والتكامل واحترام الغير والهدوء النفسي والتصالح مع الآخر موجودة بالنشأة وبالفطرة في مكونات تربيته وتصرفات حياته، وهذه الظواهر أو المشاهد هي أول ما يلفت الزائر العربي والأجنبي الى عمان، وبالتالي العالم ينظر الينا ويقيمنا على أننا نتمتع بقيم عالية وأخلاقيات راقية ويأخذ عنا هذا الإنطباع من أول زيارة وفي كل مكان يذهب اليه من أرض الوطن، ونحن أصحاب الشأن لا زلنا غير مقتنعين ونتهم قيمنا بالتراجع، ونظن في أنفسنا الظنونا وهذه مشكلتنا مع جلد الذات.
قد تكون هناك نسبة بسيطة من الجيل الشاب تأثرت بحكم انفتاحها الى العالم وانفتاح العالم اليها، وبما تقدمهُ بعض وسائل الإعلام وتتناقله وسائل الإتصال الإجتماعي والفضائيات التي أصبحت مفتوحة على مصراعيها بلا ضوابط ويسبح في أجوائها المفتوحة كل ما هب ودب، وهنا تأتي مسئولية الحكومة في مراقبة وضبط هذه الأجواء والسيطرة على ما يجول في الفضاء من الأمور التي تؤثر على البناء القيمي والاخلاقي للإنسان العماني، ولكننا ولله الحمد والمنة بخير وسنبقى بخير ما زالت الأسرة والمدرسة والمسجد والنادي والأم العمانية الأصيلة تقوم بأدوارها في الحفاظ على الهوية العمانية وعلى شخصيتها الهادئة المتصالحة مع ذاتها المحترمة لحدودها وحدود الآخر الذي يشترك معها في تقاسم منافع الحياة وتجاذب أطرافها، وقد أشار أحد الباحثين الى أنه سبق أن عُقد أكثر من أربعين ندوة سابقة في موضوع القيم وحدها وأن الندوات لا تصنع المعجزات.
أما موضوع الإسراف في المناسبات الإجتماعية فقد تناولته الأجهزة الرسمية في الدولة كوزارة الأوقاف والشئون الدينية ومجلس الشورى وزارة التنمية الإجتماعية ومجلس الوزراء ووزارة الداخلية منذ سنوات طويلة، وصدر عن بعضها تعميمات تنظيمية ناجزة ومهمة ولا تزال هذه التعليمات تلقى الإحترام ومطبقة على قطاعٍ واسع في المجتمع، كالتعميم الذي صدر عن وزارة الداخلية للولاة نهاية التسعينات بالتنسيق مع الشيوخ والرشداء لتنظيم مناسبات العزاء، حيث كان الإسراف في مناسبات العزاء موجود في الثمانينات والتسعينات، ولكن في السنوات العشر الأخيرة بدأت تنحسر كثيراً ولا توجد مظاهر مبالغ فيها وما يقدمهُ البعض من طعامٍ وشرابٍ ووفادة يظلُّ في حدود المعقول، وإن زاد قليلاً مع قلةٍ من الناس فلا يعدو كونه نوع من التوجيب للضيف القادم، والصدقة المحببة لدى أهل المتوفى، والناس ينظرون اليها من هذا الجانب، وأية إجراءات مشددة أخرى قد تسبب في نتائج عكسية وربما تدخل المجتمع في دائرة الحرص والبخل وهو خلق غير محمود أيضاً.
أما الإسراف في مناسبات الأفراح فهو أمر بالغ الأثر على الأسرة العمانية وعلى الحياة الإجتماعية بصورة عامة، فالأسرة الناشئة الصغيرة التي تتأسس بالديون عادة ما تتعرض لمشاكل تهدد بقائها واستمرارها، وحري بالناس أن يتناصحوا على البر والتقوى وأن لا يتأثروا بالمظاهر التي يتحمل الأبناء وزرها، أما مظاهر الأفراح عموماً فمرها للطبقة العليا المقتدرة ممن جادت عليها سحائب النهضة المباركة بالذهب والفضة، هي السبب الرئيسي في نشؤ ظاهرة الإسراف والمبالغة في مظاهر الأعراس وأعياد الميلاد والمناسبات الدينية ليباهوا بعضهم بعضاً ويسحروا أعين الناس، وهم الذين يبعثرون في أمانات الله وأموال الدولة شرقاً وغرباً بلا حساب ولا مبالاة لمشاعر الآخرين ممن تضغط عليهم الدنيا بأنيابها بل ويشكلوا رأياً عاماً سلبياً قائم على المظاهر والمباهاة، ولحل ظواهر الإسراف في مناسبات الأفراح عموماً يجبُ أولاً انهاء المظاهر الإحتفائية الباذخة التي يمارسها المقتدرون ليكونوا قدوةً للآخرين، فإن صلحوا صلُح سائر المجتمع، ولا يُخاطب فقط المجتمع البسيط، فالمغلوب مولع بتقليد الغالب على رأي ابن خلدون، وكما يقول الشاعر:
لا تنهى عن خلقٍ وتأتي مثلهُ *** عارٌ عليكَ إذا أتيتَ عظيمُ

د.صالح بن هاشل المسكري

إلى الأعلى