الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عبرية الدولة تساوي يهوديتها

عبرية الدولة تساوي يهوديتها

د. فايز رشيد

”إن كلمات (عبرانيون) و(عبرية) وفقاً للعديد من الباحثين القديمين والجديدين منهم: درايفر (أستاذ اللغة العبرية في جامعة أوكسفورد سابقاً) كلوفاني بيتيناتو (منقب وخبير لغات قديم) وغيرهم إضافة إلى الاكتشافات الأثرية في مغايرْ ممكنة (إبلا) السامية كل ذلك يؤكد بأن العبرية كلمة كنعانية قديمة كانت تطلق على قبائل وأقوام كثيرة ولا علاقة لليهود بها لا من قريب أو بعيد،”
ـــــــــــــــــــــــــ
يحاول الإسرائيليون إلصاق أنفسهم بالتاريخ القديم، وآخر أساطيرهم أن هيكل سليمان كان مبيناً في محل المسجد الأقصى، يأخذون (يسرقون) آثاراً من القدس ويدعون أنها آثار لهم يستخدمونها في البناء بهدف إعطاء الانطباع بأن تاريخ دولتهم يمتد إلى آلاف السنين. لقد فشل علماء الآثار (رغم كل التنقيب) بمن فيهم علماء إسرائيليون في إيجاد أية آثار يهودية مرتبطة بالرواية الإسرائيلية للتاريخ. إن علماء كثيرين عالميين من بينهم الباحث ماك اليستر أشاروا إلى أن قرناً كاملاً من التنقيب في فلسطين لم يفض إلا إلى آثار فلسطينية ويجهد اليهود في تزييفها. من بين هؤلاء أيضاً الكاتبة كاتلين كينون في كتابها “علم الآثار في الأرض المقدسة”، وأبحاث المؤرخ بتير جيمس الذي نشرها في كتاب “قرون الظلام”، كذلك توماس تومسون في كتابه ” التاريخ المبكر للشعب الإسرائيلي”، والكاتب جوستاف لوبون في كتابه”تاريخ الحضارات الأولي”، وأخيراً وليس آخراً شلومو ساند ( وهو مؤرخ إسرائيلي) في كتابه”اختراع الشعب الإسرائيلي” و” اختراع أرض إسرائيل”.
من بين الأضاليل الصهيونية فإنه وعند تأسيس دولة إسرائيل حاولت الحركة الصهيونية تعميم تعبير (الدولة العبرية) كاسم يطلق على الدولة المقامة في فلسطين. هذا لم يكن صدفةً فله دوافعه التاريخية الممكن إسقاطها على الحاضر في محاولة لتزييف التاريخ، وإجبار كل الآخرين على الاعتراف بوقائع و(حقائق) جديدة بعيدة كل البعد عن المصداقية التاريخية. إن الاعتراف بـ (عبرية) إسرائيل يعني إعطاء هذه الدولة صفة ليست بها تماماً، فالاعتراف بـ(عبرية) إسرائيل بكل ما يعينه ذلك من موافقة على الأضاليل والأساطير الإسرائيلية في الرواية الصهيونية لتاريخ فلسطين. نعم يخطئ كتابنا ومثقفونا وصحفيونا من خلال الوقوع بشكل غير مقصود في المطب الصهيوني.
إن كلمات (عبرانيون) و(عبرية) وفقاً للعديد من الباحثين القديمين والجديدين منهم: درايفر (أستاذ اللغة العبرية في جامعة أوكسفورد سابقاً) كلوفاني بيتيناتو (منقب وخبير لغات قديم) وغيرهم إضافة إلى الاكتشافات الأثرية في مغايرْ ممكنة (إبلا) السامية كل ذلك يؤكد بأن العبرية كلمة كنعانية قديمة كانت تطلق على قبائل وأقوام كثيرة ولا علاقة لليهود بها لا من قريب أو بعيد، وأن كلمات “عبري” “عبريت” “عبراي” بالآرامية صاغها حاخامو فلسطين في وقت لاحق كأفضل طريقة يمكن اتباعها لربط تاريخهم بأقدم العصور, ولجعل عصر اليهود متصلاً بأقدم الأزمنة، وبذلك يكون تاريخ فلسطين تاريخاً يهوديًّا! ولهذا فإن الباحثين اليهود يتمسكون بكلمة (العبرية) ومصطلح (العبرانية التوراتية) كقرائن تربط بين اليهود وبعدهم التاريخي في فلسطين (الموسوعة الفلسطينية، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، دمشق، ص 186)، وكاحتمال وحيد لإيجاد الروابط المفقودة بين اليهود في جميع المجالات، ولهذا فإن الحركة الصهيونية عمقت شعار أحد الرواد الأوائل في الحركة الصهيونية وهو آحادها عام (آخر يهودي وأول عبري) وجعلته شعاراً يهوديًّا صهيونيًّا.
في هذه المرحلة لم تكتف إسرائيل بـ(عبرنة) دولتها وقد كانت محطة عبورلـ (يهودية) إسرائيل، وجعلت من الاعتراف بهذه (اليهودية) شرطاً أساسيًّا على الفلسطينيين والعرب لإنجاز أية تسويات مع الطرفين. بالطبع من حق كل دولة أن تسمي بناءها السياسي وفقما تشاء، ولكن في الحالة الإسرائيلية (وهي حالة استنثائية في التاريخ) حيث جاء مستوطنون مهاجرون من كل بقاع العالم ليحتلوا فلسطين ويقتلعون أهلها ويرفضون الاعتراف بالحقوق الوطنية لشعبها، ويمعنون في الابتزاز بالاشتراط على الفلسطينيين العرب الاعتراف بهذه (اليهودية)، فذلك يعني: تهديد الفلسطينيين العرب الذين يسكنون في منطقة 48 بإمكانية الطرد مستقبلاً، لأن إسرائيل هي دولة اليهود! كذلك فإن الاعتراف بـ (يهودية) إسرائيل يلغي تلقائيًّا حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في الشتات. وعلى المدى القريب المنظور فإن باستطاعة إسرائيل (إذا ما اعترف الفلسطينيون والعرب بـ يهوديتها) حرمان فلسطينيي 48 من أية حقوق مدينة (وهي في الأصل قليلة)، وذلك في مجالات التعليم والصحة والإسكان والثقافة والسياسية وكافة المجالات الخدماتية الأخرى. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه خرجت أصوات إسرائيلية كثيرة على صعيد مسؤولين سياسيين وعسكريين، بالتخلص من 300 ألف فلسطيني يسكنون منطقة المثلث من خلال اقتراح (يبدو في ظاهره بريئاً؟!) بتبادل هذه المنطقة في فلسطين المحتلة عام 48 مع السلطة الفلسطينية التي لا تريد لها إسرائيل أن تكون سوى منطقة حكم ذاتي ليس إلاّ.
يهودية دولة إسرائيل تعني لمن يعترف بها: أن التاريخ الفلسطيني في مراحله المختلفة ما هو إلا أكاذيب! وهي تعني الاعتراف (بالحقائق المزعومة) التاريخية التي ترددها الصهيونية عن دولتها في فلسطين، وهذا يعني أنهم موجودون في فلسطين منذ ثلاثة آلاف سنة كما يدعون! الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل يعني إلغاء تاماً لكافة قرارات الأمم المتحدة التي أكدت على الحقوق الفلسطينية، كما يعني إمكانية أن تطرح إسرائيل مستقبلاً حقوقها فيما تسميه (أرض إسرائيل الكبرى)! نعتقد أن مخاطر الاعتراف الفلسطيني والعربي بـ (يهودية) إسرائيل قد راجت إعلاميًّا بشكل ممتاز، غير أن خطأ استعمال مقولة (الدولة العبرية) في التعبير عن دولة إسرائيل لا يزال لم ينتشر إعلاميًّا بشكل موازٍ لمخاطر الاعتراف بـ (اليهودية)، بدليل أن من الممكن لأي قارئ أو أية قارئة أن يصطدم يوميًّا بهذا التعبير (العبرية) في مقالات سياسية واستعمالات كثيرة أخرى، تماماً كما نصادف تعبيرات أخرى لا تطبق على إسرائيل مثل (الشعب) الإسرائيلي و(الأمة) الإسرائيلية و(القومية) اليهودية أو الإسرائيلية، و(المجتمع) الإسرائيلي، فاليهودية ديانة ليس إلا، وهي ليست (قومية) والإسرائيليون ليسوا (شعبا) ولا (أمة) ولا (مجتمعاً) فما الذي يربط بين اليهودي الأميركي والآخر الإثيوبي؟ وما هي القواسم المشتركة بين فسيفساء المستوطنين المهاجرين إلى إسرائيل. فيها يهود غربيون، أيضا لا يزال فيها يهود شرقيون، الروس يعيشون مع بعضهم وهكذا العراقيون واليمنيون وغيرهم وغيرهم! ثم ما هذه الدولة التي تميز عنصريًّا بين الإثنيات والأعراق المختلفة لليهود فيها؟ فالتمييز العنصري في الكيان الصهيوني قائم ليس فقط ضد الفلسطينيين العرب (رغم أن ذلك يحتل الدرجة الأعلى في سلّم التمييز)، لكن هناك تمييزاً ضد اليهود الشرقيين، واليهود السود (الفالاشا) وغيرهم.
إسرائيل نشأت لا كدولة مثل الدول الأخرى في عملية تطور تاريخية طبيعية، بل جرى إنشاؤها قسراً، دولة احتلالية عنصرية فحتى الثقافة الواحدة مفقودة فيها فلا صحة إطلاقاً لمقولة (الثقافة) الإسرائيلية الواحدة، وإن جاز إطلاق كلمة (ثقافة) إسرائيلية تجاوزاً بالطبع فهي ثقافة العدوان والتدمير وإرهاب الدولة. في الحقيقة تنطبق عليها وصف: أن إسرائيل عبارة عن ثكنة عسكرية أو عصابة إرهابية أو جيش له/لها دولة.

إلى الأعلى