الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / داخل التاريخ، خارج التاريخ

داخل التاريخ، خارج التاريخ

أ.د. محمد الدعمي

”قد لا تقتصر تواريخ البلاط على تورخة الحروب وسيرة السلطة والقائمين عليها، ولكنها يمكن أن تشير كذلك إلى واحدة من أهم معوقات التسجيل السليم للتاريخ، خاصة التربوي والمدرسي منه. وإذا كان معلمونا (القوميون) في ستينيات وسبعينيات القرن الزائل، قد لقنونا أن عنوان “الجاهلية” الذي دفع مرحلة ما قبل الإسلام إلى خارج التاريخ، إنما يعني “الجهل” رديفاً لغياب الحلم،”
ـــــــــــــــــــ
إذا كانت مقالة يوم الثلاثاء الماضي المعنونة بـ”نفي التاريخ” قد باشرت عدداً من المسائل المهمة التي تشوب مداخلنا في العالمين العربي والإسلامي إلى الماضي، فإن مسار الجدل يفضي، كما لوحظ في نهاية المقالة أعلاه، إلى ثمة تمييز مهم للغاية بين تواريخ البلاط والمعسكر، من ناحية، وتواريخ الشعوب، من الناحية الثانية.
قد لا تقتصر تواريخ البلاط على تورخة الحروب وسيرة السلطة والقائمين عليها، ولكنها يمكن أن تشير كذلك إلى واحدة من أهم معوقات التسجيل السليم للتاريخ، خاصة التربوي والمدرسي منه. وإذا كان معلمونا (القوميون) في ستينيات وسبعينيات القرن الزائل، قد لقنونا أن عنوان “الجاهلية” الذي دفع مرحلة ما قبل الإسلام إلى خارج التاريخ، إنما يعني “الجهل” رديفاً لغياب الحلم، وأن العرب كانت لهم حضارة مزدهرة بحق، لا ينبغي الخجل أو التحرج منها؛ فلماذا، إذاً، نجهل تاريخنا عبر مرحلة ما قبل الإسلام؟ اللهم، باستثناء هجوم إبرهة الحبشي على مكة والقصص القرآني والإنجيلي لأنه لا يمكن أن يحدث، زيادة على خدمته أهدافاً دينية وسياسية واجتماعية تتوخاها السلطات عبر تاريخ ما بعد الإسلام، خاصة بعد نهاية مرحلة الخلافة الراشدة الرشيدة.
وعلة ذلك، كما أعتقد، هي أن تواريخنا التي قصها الإخباريون شفويًّا، ثم سجلها الشيوخ في كتب عبر العصر الوسيط لم تكن بمعزل عن إرادة السلطات المتتالية التي حاولت جهدها أن تبرر هيمنتها على مركز الحكم، فعملت على إبراز كل ما من شأنه أن يدعم ذلك. وقد فهم شيوخ المؤرخين في العصر الوسيط رسالة الحاكم، فعملوا حسب إرادته. ودليل ذلك هو عدد الأحداث التي تمر عليها تواريخها “مرور الكرام على الردى”، أو أنها حتى لا تتجشم عناء ذكرها. أما مناقشتها وطرحها لعقول الطلبة الذكية، فهذا من ضروب المحال.
وكانت النتيجة النهائية لاستيلاء السلطة على المؤرخ وعلى السرد التاريخي هي الوقوع في أفخاخ الانتقائية والانتخابية المخلة التي تستل من التاريخ فقط ما يعجب الحاكم ويتوافق مع رؤاه.
لقد حاولت في كتاباتي الأخيرة أن أناقش مسببات تجاوز تواريخنا المدرسية، القومية أو الإسلامية المشارب، أحداثاً مفصلية خطيرة من نوع “حروب الردة”: لماذا لا يريد المؤرخ العربي الوصول إلى هذه “الأرض الحرام”؟ لماذا لا يحاول أن يفهم الدوافع الحقيقية التي جعلت الخليفة الراشد الأول، أبو بكر (رض)، يقول في خطبته التاريخية بعد وفاة الرسول الكريم (ص) مباشرة: إن كنتم تعبدون محمداً، فإن محمداً قد مات، وإن كنتم تعبدون الله فإن الله حي لا يموت”. ثم، ما الذي كانت تريده سجاح، وما هي أهداف مسيلمة من تمردهما؟
أما المفاصل التاريخية الخطيرة الأخرى من نوع قصف الكعبة بالمنجنيق وحركة القرامطة والمنظمات السرية مثل “جماعة الحشاشين” وجماعة “أهل الصفا”، فإنها جميعاً تنفى خارج التاريخ، فلا أحد يريد صداع الرأس النابع من مناقشتها ومناقشة حركات فكرية كانت بدرجة من الثورية، أنها استحقت البحث العلمي الحقيقي والرصين، كما هي عليه حال حركة المعتزلة، زيادة على الثورات التي لم يسمع عنها أحد من ابناء الأجيال الأخيرة، كثورة الزنج جنوبي العراق، وانتفاضة محمد النفس الزكية، من بين ثورات وانتفاضات أخرى تجاوزها مؤلفو تواريخنا المدرسية ليجعلوها تواريخ مشحونة بالسعادة والعدالة، تساعدنا على أن تبقى مكبلين بالماضي التليد حلماً عصيًّا على البلوغ، لا نريد أن ننتقد لأننا نريد أن ندور عجلة الزمن إلى وراء! هي تواريخ التي تدفعنا إلى خارج التاريخ.

إلى الأعلى