الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإخوان والغرب

الإخوان والغرب

” روج الإخوان لإشاعة (لم أجد لها أصلا من الحقيقة على الإطلاق) أن السلطات المصرية قدمت للحكومة البريطانية وثائق تثبت شن الإخوان هجمات على القوات البريطانية المحتلة لمصر في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كي تدفع باتجاه قرار بحظر الجماعة في بريطانيا.”
ــــــــــــــــــ
لم ينتظر الإعلام البريطاني نتائج التحقيق الذي طلبته حكومة ديفيد كاميرون بشأن جماعة “الإخوان المسلمين” تمهيدا لاتخاذ موقف منها ومن وجود قياداتها في بريطانيا وبدأ يتعامل مع الإخوان على أنهم “خطر” بالفعل. وكانت الحكومة البريطانية طلبت من أجهزة مخابراتها تقصي نشاط الجماعة وتقديم تقرير عنها، فيما فسره البعض على أنه مقدمة لحظر نشاط الإخوان في بريطانيا. وتزايد هذا النشاط بشكل ملحوظ بعد الاطاحة بحكم الإخوان في مصر العام الماضي، وحظر دول عربية لنشاط الإخوان. وأمام تلك الحملة على الجماعة في مصر وغيرها، وجدت بعض قياداتها في لندن ملاذا آمنا تعمل منه على استعادة دورها، وأيضا لتوفر الحرج عن بعض الدول العربية الداعمة لها أو دول إقليمية مثل تركيا.
ومع أن البعض اعتبر قرار الحكومة البريطانية استجابة لضغوط دول خليجية تعتمد على مصالح بريطانيا الاقتصادية معها، إلا أن هناك أسبابا أخرى تجعل بريطانيا تراجع موقفها من الحركات والجماعات المتشددة والمتطرفة في المنطقة. وقد شهدنا مقدمات لذلك في السنوات الأخيرة من ابعاد أبو قتادة إلى الأردن وتسليم أبو حمزة المصري إلى الولايات المتحدة وقبل ذلك مطاردة السوري/الأردني عمر بكري المختفي حاليا في لبنان.
هؤلاء وغيرهم شكلوا مادة للحملات الإعلامية على الحكومة في بريطانيا ـ وفي بعض الأحيان انتقاد النظام القضائي ومواثيق الحريات في الاتحاد الأوروبي ـ لعدم ابعادهم بسرعة عن الأراضي البريطانية وهم يدعون للعنف والكراهية الدينية. واذا كانت تلك الرموز الشهيرة إعلاميا خرجت من بريطانيان فإن البلاد تظل موئلا لأطياف مختلفة من الجماعات والحركات التي تدور في فلك الإخوان أو تعتنق أفكارا مشابهة.
فإخوان سورية مثلا، وحتى رغم أن أغلبهم لجأ إلى السويد والنرويج في الثمانينيات بعد حملة الرئيس الراحل حافظ الأسد عليهم في حماة إلا أن قيادتهم اختارت لندن. ومع التطورات الأخيرة في سوريا أصبحت قيادة إخوان سوريا في لندن بؤرة اهتمام الغرب واحدى أوراق بريطانيا في الصراع السوري. وحتى بداية التغيير في تونس مطلع 2011 كانت قيادة حركة النهضة (إخوان تونس) في لندن ـ وإن أصبحت بريطانيا أقل حماسا لإخوان تونس لأنهم ما إن وصلوا إلى السلطة توجهوا مباشرة إلى واشنطن في علاقات مباشرة أفقدت الطرف البريطاني ميزة أنه “راعي الإسلام السياسي المعتدل في المنطقة ومستشار الأميركيين في هذا الصدد”. وإذا كانت لندن ـ حتى الآن ـ تملك ميزة رعاية قيادة إخوان سوريا، فهي تدرك أنها بما سهلت من قنوات مباشرة لهم مع الأميركيين يمكن أن تفقد هذه الميزة بسرعة.
في النهاية، قد لا تحظر بريطانيا جماعة الإخوان تماما ولكنها لأسباب تخصها ـ وليس فقط لضغوط خليجية ـ تعيد حساباتها فيما يتعلق بالجماعة ومثيلاتها آخذة في الاعتبار عوامل داخلية أيضا وقرب انتخابات عامة يريد المحافظون الفوز فيها بفترة حكم ثانية. ولأن الإخوان يتمتعون بغباء طبيعي فهم لا يساعدون أنفسهم في علاقة الغرب بهم. ودعك من البيانات الإنشائية التي تصدرها الجماعة وقياداتها عن السلمية ونبذ العنف، فالكل يعرف حقيقة أن الجماعة هي الجذر الذي نبتت منه كل الفروع من الجماعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة والعالم. لكنهم ما زالوا يراهنون على مسألة أن بريطانيا ملاذ آمن للمجرمين والحرامية ـ وليس لهم وحدهم ـ لأنها تستفيد من أموالهم، ومع ذلك تظل حافظة أموال الإخوان في سويسرا وغيرها. ثم إن الإخوان لا يتورعون عن النبش في الماضي وكشف علاقتهم بالاحتلال البريطاني لمصر.
على سبيل المثال، روج الإخوان لإشاعة (لم أجد لها أصلا من الحقيقة على الإطلاق) أن السلطات المصرية قدمت للحكومة البريطانية وثائق تثبت شن الإخوان هجمات على القوات البريطانية المحتلة لمصر في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كي تدفع باتجاه قرار بحظر الجماعة في بريطانيا. ثم يبدأ بعض “المتعاطفين مع الإخوان” في كتابة المقالات حول تلك الإشاعة وكأنها معلومة صحيحة. وإذا كان القصد من إشاعة كهذه هو تبييض وجه الإخوان بأنهم كانوا جماعة وطنية تقاوم الاحتلال، فربما جاء بنتائج عكسية لأنه سيعيد كل من يريد معرفة الحقيقة إلى تاريخ الجماعة وباعتراف قادتها وقتها حين خذلوا الفدائيين برفضهم المشاركة في المقاومة متعللين بأن ذلك سيدعم ثورة 1952 والضباط الأحرار. كما أن أي أعمال قاموا بها أيام الملكية فكانت دليلا آخر على الخسة وليس الوطنية، إذ ان موقفهم من الإنجليز كان لصالح الملكية بعدما ساعد الإنجليز في انشاء الجماعة لاستخدامها “منطقة عازلة” بينهم وبين الملكية والأحزاب السياسية.
وحتى إذا لم يصل الغرب إلى حد حظر الإخوان أو اعتبارهم جماعة إرهابية، فإن الجدل الدائر الآن هناك كفيل بكشف المزيد من غباء الإخوان وسوءاتهم التاريخية والمعاصرة. وإذا كان الإعلام الغربي يعزز حملاته عليهم، وأحيانا بمغالاة، فإن الأهم ما يتكشف للجمهور العربي والمسلم دون أن تعميه غشاوة أن الجماعة ضحية لموقف إعلام الغرب “المعادي للإسلام والمسلمين”. دعونا من تحامل الإعلام الغربي، وحتى من مواقف الحكومات، ولنستخدم عقولنا لنصفي شائعات ومغالطات الإخوان بتمحيصها مقابل وقائع التاريخ وهو ليس بالبعيد.
د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى