السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الذكرى الثلاثون للمنفى وأسرار سياسية

الذكرى الثلاثون للمنفى وأسرار سياسية

د.أحمد القديدي

”عندما كنا في منفانا الباريسي أسر لي محمد مزالي بأنه في يوم من أيام جوان يونيه 1986 طلب زين العابدين بن علي وزير الداخلية آنذاك مقابلته استعجاليا فدعاه إلى بيته في ضاحية سكرة وأكد لي مزالي أن بن علي قال له ” كل المؤشرات تدل على أن الزعيم بورقيبة ينوي عزلك وتعيين رشيد صفر وزيرا أول وهذه مؤامرة ضدك فدعني أقوم بحركة قوة لمنع هذا التعيين!”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوم 24 أغسطس 1986 أي منذ ثلاثين عاما لم يكن يوما عاديا لا بالنسبة لي شخصيا ولا بالنسبة لبلادي لأنه شكل منعرجا حاسما لي ولأسرتي ولكن أيضا لتونس كلها. يومها أقدمت على السفر إلى فرانكفورت في رحلة عذاب وكفاح لم أكن أعتقد أنها ستدوم عشرين عاما (لأنني رجعت سنة 1999 ثم عدت للمنفى سنة 2006 وكان الزعيم بورقيبة بلغ ما سماه القرآن الكريم أرذل العمر وهي سنة الحياة خاصة وأن الزعيم كان رجلا استثنائيا امتزج شخصه بتاريخ تونس امتزاجا من النوع الأسطوري الخارج عن المنطق فلبس الوطن ولبسه الوطن وعاش التوانسة مكاسب العهد البورقيبي كما عاشوا كوارثه وأخطاءه وسوء خياراته. اليوم أمر الزعيم موكول للمؤرخين رحمه الله. شهر أغسطس 1986 كان شهر العجائب الكبرى لأن الزعيم العجوز كان يجر تبعات أمراض بدنية ونفسية بالغة الخطر فأصبح منذ مدة رهينة لدى بنت أخته سعيدة ساسي وهي إمرأة محدودة المدارك كرست طاقتها للانتقام من غريمتها الأبدية وسيلة بن عمار زوجة الزعيم فأوعزت لبورقيبة أن يطلقها طلاقا من نوع (اذهبي فأنت طالق!) كما طلق السيدة (ماتيلد) قبلها بنفس الطريقة متنكرا بذلك لكل ما قدمه للمرأة التونسية من مكاسب الحقوق الفريدة والمبالغ فيها (وهذا قالته لي السيدة وسيلة نفسها وهي مطلقة في منفاها الأخير في باريس) ثم طرد الزعيم ابنه الوحيد الحبيب الابن في ظروف سريالية رواها الحبيب الابن نفسه في مذكراته فخرج من قصر قرطاج مدحورا ومتحسرا على ما وصلت إليه تونس ثم طرد علالة العويتي الذي عاش سكرتيرا خاصا لبورقيبة على مدى ستين عاما كما استغنى عن محمود بن حسين مرافقه منذ 1937 وعوضه بعبد الوهاب عبد الله. وأخيرا قام الزعيم باضطهاد أخلص الناس إليه وهو محمد مزالي رئيس حكومته فاتهمه بتهمة وحيدة وهي تعريب التعليم !!! فأوعز له الطامعون في السلطة أن يلاحق مزالي بلعنة شبيهة باللعنة التي حلت بالبرامكة فألقي في السجون والمنافي أولاده وأصهاره وابنته سارة ونجونا نحن بالفرار إلى المنفى بجلودنا وقام صديقنا رشيد عزوز بتهريب مزالي إلى الجزائر يوم 3 سبتمبر 1986 مضحيا بنفسه وأسرته وكان أكبر ضحايا تلك المرحلة السوداء من تاريخنا.
وأذكر أنه في يوم 3 أغسطس 1986 كنت ما أزال عضوا في البرلمان وفي اللجنة المركزية للحزب الدستوري وكنت مدعوا إلى الحفل التقليدي الذي تنظمه حاشية بورقيبة لإحياء ذكرى ميلاده في قصر المرمر بالمنستير وكنت أجلس خلف الرئيس بورقيبة فإذا بسعيدة ساسي تتقدم نحوي وتجلبني من يدي لتأخذني إلى ركن قصي من ساحة القصر وتقول لي بلهجة غضب:” إن صديقك (تقصد محمد مزالي) يريد إخراج الإخوانجية (النعت الرسمي للإسلاميين) من السجون وتمكينهم من الحكم وأنت تعلم أن خالي (تعني بورقيبة) قضى حياته كلها وهو يقاومهم”. انتهى إنذار سعيدة ساسي وهي رسالة أرادت وأراد محركوها المعروفون إبلاغها من خلالي لرئيس الحكومة المعزول (منذ 8 يوليو) محمد مزالي. بلغت الرسالة بالفعل وقال لي مزالي إنه يدرك ما ينتظرنا من محاكمات بتهمة الإعداد لعزل بورقيبة عن طريق فريق طبي مع الأستاذة الدكتورة سعاد اليعقوبي وزيرة الصحة آنذاك وبتدبير من صهره الدكتور رفعت الدالي مدير الصحة العمومية وزوج ابنته الطبيبة هدى مزالي! وهذا السيناريو هو نفسه الذي نفذه بعدنا زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987. الحقيقة أن محمد مزالي لم يفكر قط في عزل الزعيم وهو يؤمن أن الإخلاص لبورقيبة من أخلاق السياسي المثقف وأنه لا يملك مواهب تأمرية! وإلا لكان عزله في نوفمبر 1984 حين كان بورقيبة مقيما في مستشفى الرابطة في حالة خطيرة لأن قصبات رئتيه انسدت جزئيا بمادة (الأوديم) وكان الزعيم يتنفس بصعوبة وكنت شاهدا عندما التقى مزالي بعض أطباء بورقيبة المباشرين الذين أبلغوه أن صحة الزعيم في تدهور سريع وكان مزالي رئيسا للحكومة ووزيرا للداخلية في نفس الوقت أي ماسكا بكل دواليب الإدارة والأمن والجيش ومؤهلا لوراثة بورقيبة حسب الفصل 57 من الدستور ولم يفكر قط في الانقلاب الطبي على من كان يعتبره في مقام والده. ولكي يعلم الجيل الجديد بعض خفايا تلك اللحظة الحاسمة من تاريخنا وايضا للحقيقة أكشف بعض الحقائق التي عشتها. عندما كنا في منفانا الباريسي أسر لي محمد مزالي بأنه في يوم من أيام جوان يونيه 1986 طلب زين العابدين بن علي وزير الداخلية آنذاك مقابلته استعجاليا فدعاه إلى بيته في ضاحية سكرة وأكد لي مزالي أن بن علي قال له “كل المؤشرات تدل على أن الزعيم بورقيبة ينوي عزلك وتعيين رشيد صفر وزيرا أول وهذه مؤامرة ضدك فدعني أقوم بحركة قوة لمنع هذا التعيين! هنا أعاد لي مزالي العبارة باللغة الفرنسية كما قالها له زين العابدين: Laisse moi faire une epreuve de force .
فقلت لمزالي: عجبا! فالزين أراد تثبيتك في الحكم والقيام بحركة قوة من أجل قطع الطريق على منافسيك وهم كثر! فلماذا لم توافقه؟ لو تم ذلك لتغير تاريخ بلادنا بشكل مختلف؟ أجابني مزالي دون تردد: “لأني لا أثق فيه! فلعله اقترح علي هذا الأمر ليورطني في مؤامرة ضد بورقيبة ويسهل القضاء النهائي علي بعد ذلك بإعدامي كما كان يتمنى بورقيبة وحاشيته ثم يمثل بن علي دور المنقذ للزعيم ويستفرد به حتى يبلغ قصر قرطاج بطريقة أخرى لأن الرئاسة كانت ملقاة على الرصيف ويسهل التقاطها ولأن 7 نوفمبر 1987 كان في الحقيقة انقلابا على سعيدة ساسي وليس على بورقيبة فالدولة كانت منهارة وتونس كانت على شفا حرب أهلية”.
هذا ما اطلعت عليه بحكم تواجدي في أحشاء السلطة وفي أحشاء المعارضة أردت أن أكشفه للقراء الأفاضل وأعتقد أن لكل تونسي الحق في تفسير الأحداث وفهمها حسب معرفته بالتفاصيل وأنا أعرض هذه الذكريات بعد ثلث قرن ولا أدرك إلى اليوم بعض أبعادها ولكن رجائي ألا يعيد الله على وطني مثل هذه المصائب بأن يتعظ التوانسة بعبر التاريخ ولا يكرروا نفس الهفوات القاتلة التي ارتكبها الجيل الذي سبقهم فينقذوا تونس مما يهددها من مخاطر العنف والفوضى وهشاشة الدولة وطغيان الأحزاب وتغول الطموحات الشخصية على حساب مصالح الوطن.

إلى الأعلى