Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

السياسة الدولية وتحولات القوة في القرن الحادي والعشرين (2/2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”إن حتمية التغيير ضرورية لاستمرارية الكون, مع التأكيد على أن هناك من يستطيع الاستمرار ومن تتورم أقدامه فيتقهقر، ومن ينهار سريعا فيتوارى عن الأنظار إلى الأبد، أو بمعنى آخر، أن ما يحدث اليوم على الصعيد الدولي، هو نتاج طبيعي لصراعات إثنية عالمية لا بد أن تحدث لتوطيد أسس الاستقرار فيما بعد، وذلك لنيل المكانة الرئيسية والقيادية على مسرح السياسة الدولية خلال هذا القرن,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحسب تعبير كينث والتز أستاذ العلوم السياسية وعضو هيئة التدريس في كل من جامعة كاليفورنيا في بركلي وجامعة كولومبيا واحد أبرز العلماء في مجال العلاقات الدولية فإن (الأصدقاء والأعداء على حد سواء سوف يتصرفون كما تصرفت البلدان دائما إزاء تعرضها لتفوق احدها أو التهديد بتفوقه: أي أنهم سيعملون معا على تصحيح الميزان, فالحالة الراهنة للسياسة الدولية غير طبيعية) وهذا الأمر أي صراع القوى العالمية وبناء التوازنات والتغيير في طبيعة العلاقات الدولية والتحولات الحاصلة في شكل ومضمون القوة ليس حكرا على القرن الحادي والعشرين, بل هو أمر حتمي وطبيعي طالما حدث وسيحدث وسيستمر بالحدوث على رقعة الشطرنج الدولية فالعالم السياسي من الناحية الطبيعية أشبه بكائن حي، فهو يموت بموت الدول والإمبراطوريات وانهيارها، ويتوالد ببروز دول وتكتلات أخرى.
عليه فإن حتمية التغيير ضرورية لاستمرارية الكون، مع التأكيد على أن هناك من يستطيع الاستمرار ومن تتورم أقدامه فيتقهقر، ومن ينهار سريعا فيتوارى عن الأنظار إلى الأبد، أو بمعنى آخر، أن ما يحدث اليوم على الصعيد الدولي، هو نتاج طبيعي لصراعات إثنية عالمية لا بد أن تحدث لتوطيد أسس الاستقرار فيما بعد، وذلك لنيل المكانة الرئيسية والقيادية على مسرح السياسة الدولية خلال هذا القرن، وقد مر العالم بهذه المرحلة عشرات المرات على مدى التاريخ، من حيث صراع القوى العظمى مع بعضها، وانتشار العنف والإرهاب والإبادة الجماعية والموت بالملايين والفوضى المستشرية في كل مكان، مع التأكيد على بعض الفوارق من حيث عدد القوى المؤثرة في كل مرحلة من الناحية الكمية والنوعية، ومدى التأثير النوعي الذي تركته بصمات تلك القوى على تلك المرحلة نفسها.
فعلى سبيل المثال (نعلم جميعا أن اسبانيا قد تسيدت القرن السادس عشر بشكل جعلها القوة العظمى المسيطرة على تلك الفترة الزمنية من التاريخ، وقد مكنها من ذلك قوتها الاقتصادية الناتجة عن ملايين السبائك الذهبية والقوة التجارية الاستعمارية، والجيوش المرتزقة، وعلاقات الأسر الحاكمة القوية ببقية أنحاء العالم، ولكن مع بداية القرن السابع عشر ظهرت قوة جديدة هي القوة الهولندية التي اضطرت للصدام مع الإسبان بكل دموية وعنف، وذلك لتأكيد زعامتها على القرن الجديد، وبالطبع فقد دارت الصراعات نفسها التي نعيشها اليوم في تلك الفترة، مع بعض الفوارق الناتجة عن أسلوب الصراع والأدوات المستخدمة فيه، وهو حال فرنسا القرن الثامن عشر والتي تسيدت العالم في ذلك الوقت مؤكدة هيمنتها النابعة من قوة صناعاتها الريفية والإدارة القوية للدولة وجيشها القوي وثقافتها الطرية الناعمة التي استطاعت أن تستوعب الجميع في ذلك الوقت، وكذلك هو حال المملكة البريطانية في القرن التاسع عشر، (وبعبارات أخرى فإن سنة 2095 م قد تبدو مثل سنة 1914 م، ولكن ممثلة على مسرح أوسع نوعا ما).
أما القرن الحادي والعشرين فما زال – من وجهة نظري الشخصية – يعاني الفصام القاري، أو شيزوفرينيا ما قبل تشكيل النظام العالمي القادم، فهو وحتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا من الناحيتين السياسية والجيوسياسية، مع بروز عدد من القوى القارية المؤهلة لتقاسم الهيمنة والسيادة على رقعة الشطرنج الدولية مع الولايات المتحدة الأميركية خلال المرحلة القادمة كروسيا والصين على سبيل المثال، وهو ما جعلنا نؤكد على أن وجود أولئك المتمردين الجدد، أو المتنمرين على الهيمنة الأميركية لا يجعله عقدا أميركيا خالصا، وبالتالي لا يجعل من مفهوم النظام أحادي القطب صالحا للتطبيق على النظام العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إذًا ومن ناحية أخرى يمكن لنا أن نطلق على النظام العالمي المنصرم في الفترة من 2001م – 2009م، وبناءً على المعطيات السابقة بنظام “الأحادية القطبية الفضفاضة”.
حيث (يتمتع بعض أطراف النظام – عالمية كانت أم إقليمية – بالاستقلال الحقوقي عن مركز السلطة وبقدر غير قليل من الاستقلال الذاتي السياسي، غير ان الأطراف الرئيسية وأكثرية الجهات الأخرى تبقى رغم ذلك القدر من الاستقلال الذاتي, خاضعة جوهريا لنفوذ مركز الهيمنة أو السلطة الوحيدة للنظام, على الأقل فيما يخص علاقاتها الدولية المهمة), وبمعنى آخر ان (عالم اليوم بعيدا كل البعد عن ان يكون أحاديا قطبيا مطردا, على الرغم من وضوح كون الولايات المتحدة الأميركية هي القوة المسيطرة في النظام, كما ان هناك سلسلة طويلة من سمات وملامح حكم الكثرة المتحدية لها: ثمة أنماط مختلفة من السلطة, وتشكيلة واسعة من الجهات الرسمية وغير الرسمية المتمتعة بهذه السلطة, والصداقات والعداوات المتعددة والمتداخلة حيث يمكن للأصدقاء والأعداء ان يختلفوا تبعا للقضية المطروحة).
على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان ما يحدث اليوم من تمحور بعض الدول في شكل تحالفات فضفاضة نوعا ما كما نشاهده على كل من روسيا وايران وتركيا وليس من المستبعد ان يضاف اليهم في القريب العاجل الصين, وربما يضم لاحقا عددا من الدول الإقليمية الرئيسية, يعد مبدئيا نوعا من التعاون في بعض الملفات في المنطقة اكثر منه تحالف بالمعنى الدقيق, وهو توجه غير مستغرب رغم وجود نقاط خلاف كبيرة بين تلك الاطراف حول بعض القضايا الرئيسية في المنطقة, الا انه يمكن ان ينطلق من نزعة التحالف الاستراتيجي في مواجهة تلك المتغيرات الجيوسياسية التي بدأت اثارها تصيب عمق رقعة الشطرنج الدولية, وبمعنى اخر, ان تمترس تلك الدول يصب في قائمة المصالح الجيوسياسية لها, والتي يقع على رأسها استغلال تراجع النفوذ الاميركي على رقعة الشطرنج الاوراسية, والسعي الى محاولة استغلال الفرصة التاريخية لإنهاء ما تبقى من المركزية الاميركية, استعدادا لعقد جديد قادم, وهو العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين, والذي ترغب تلك الدول خصوصا ان يكون قرنا خاليا الى ابعد الحدود من النكهة الاميركية.

محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@


تاريخ النشر: 29 أغسطس,2016

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/135487

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014