الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ..وأما الزبد فيذهب جفاءً

..وأما الزبد فيذهب جفاءً

”.. اليوم تستمرّ روسيا بمواقفها المبدئية في الدفاع عن الشعب السوري والوقوف وقفة حازمة وحقيقيّة ضدّ الإرهاب، بينما يستمرّ الذين يستهدفون سوريا بمحاولة فرض ولو جزءاً من شروطهم لتحقيق بعض أهدافهم على الأرض السورية، بعد أن تخلّوا عن معظمها نتيجة صمود الجيش السوري والشعب السوري، والتضحيات الجسيمة التي قدموها كي لا يسمحوا للأعداء بتحقيق أهدافهم على هذه الأرض الصلبة المقاومة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصراع التاريخي على هذه الأرض مستمر وقديم قدم التاريخ ولكن التضحيات من أجلها أيضاً مستمرة وكبيرة، ولكننا قد نكون على أبواب إغلاق فصل من فصول هذا الصراع بتسجيل نصر لكل من آمن بأرضه ووطنه، وتسجيل خزي وعار لكلّ من تواطأ وخان وطنه وعمل على استقدام الأعداء لتدنيس أرضه الطاهرة.
في حمأة تعقيدات وتشابك الأحداث الدائرة على الأرض السورية والتفاوض القائم في عواصم مختلفة من العالم بشأن ذات الموضوع، كان لافتاً تبادل الاتهامات بين ما يسمى الائتلاف السوري والذي رحب بدخول دبابات تركية إلى الأرض السورية الطاهرة وبين بعض الناطقين باسم ” قوات سوريا الديمقراطية”، والتي تلقت الأوامر بالانسحاب من منبج مما يعني شبه تخلّ أميركي عنها واستبدال دعمها بدعم القوات التركية الزاحفة إلى جرابلس.
اللافت في الموضوع هو أن “قوات سوريا الديمقراطية” والتي قد “حررت” مناطق في الشمال السوري من الإرهاب قد قامت بذلك من خلال التعاون مع قوات أميركية دخلت سماء وأرض البلاد بشكل غير شرعي وغير قانوني، ووفرت لها هذه القوات ذراعاً لوجودها على الأرض السورية، تماماً كما أيّد “الائتلاف” تدنيس الأرض السورية بقوات تركية بحجة مقاتلة داعش.
والتشابه في كلتا الحالتين يكاد يصل حدّ التطابق لأن كثيراً من المعارك التي تمّ الحديث عنها هنا وهناك هي معارك صوريّة حيثُ تمّ استبدال قوات تأتمر بأوامر أميركية أو أوامر تركية بقوات أخرى تابعة للسيّد نفسه، الذي يستهدف بلدنا ويستبيح سيادته.
ويجب ألا يفرح أحد بدعم من يستهدف وطنهم وأرضهم وشعبهم لأن هذا الدعم يمكن أن يُسحب بين عشية وضحاها لأن هؤلاء الداعمين يعملون لمصالحهم الذاتية ولا تربطهم صداقة أو ودّ مع أحد كما برهنوا على ذلك مراراً وتكراراً. والجوهري هنا هو أن الأطراف التي تستقدم الأعداء والطامعين على أرضها لم تتعلم الدرس من آلاف التجارب في التاريخ أن من يبيع وطنه لأي سبب كان لا مكانة ولا احترام له حتى في أعين من دفعوا له الأثمان البخسة وأن الحقيقة الثابتة عبر التاريخ أن التمسك بعزّة الأوطان وحريتها واستقلالها والدفاع عنها ضدّ كل الطامعين والمعتدين هو الذي يمنح العزّة للمواطنين حتى وإن استشهدوا في سبيل هذا الخيار. لقد برهنت أحداث التاريخ مرة تلو أخرى أنّ من يبيع وطنه هو بالنتيجة يبيع نفسه وكرامته وعزته.
في السياق ذاته أتت نتائج الاجتماع الماراثوني بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري والذي استمر لأكثر من اثنتي عشرة ساعة. أتت هذه النتائج لتؤكد أن ما يجري على الأرض السورية خاضع لإرادات دول إقليمية ودولية وأن ادعاء محاربة الإرهاب ذريعة لتلك الدول لتنفيذ مخططاتها وأطماعها في سوريا، ولكسر الإرادة السورية التي تأبى الارتهان لإرادة الآخر.
لقد صرح وزير الخارجية الروسي أن السبب في عدم القدرة على فصل النصرة عن المجموعات المسماة بالـ “معتدلة” هو الإرادات الإقليمية وارتباط هذه المجموعات بلاعبين إقليميين. ونضيف إلى ذلك اللاعبين الدوليين والذين سعوا ومنذ عام 2011 إلى استصدار قرارات من مجلس الأمن تتيح لهم استهداف سوريا عسكرياً.
ولولا اتخاذ روسيا والصين للفيتو ضدّ هذه القرارات الدولية أربع مرات خلال ثلاث سنوات، لكنا ربما رأينا الغرب ينفذ في سوريا ما نفذه في العراق وليبيا من عدوان مباشر عليها.
واليوم تستمرّ روسيا بمواقفها المبدئية في الدفاع عن الشعب السوري والوقوف وقفة حازمة وحقيقيّة ضدّ الإرهاب، بينما يستمرّ الذين يستهدفون سوريا بمحاولة فرض ولو جزءاً من شروطهم لتحقيق بعض أهدافهم على الأرض السورية، بعد أن تخلّوا عن معظمها نتيجة صمود الجيش السوري والشعب السوري، والتضحيات الجسيمة التي قدموها كي لا يسمحوا للأعداء بتحقيق أهدافهم على هذه الأرض الصلبة المقاومة.
ومن هذا المنظور شكّل المؤتمر الصحفي الذي عقده لافروف وكيري انعطافة حقيقية في تاريخ الحرب على سوريا لأنه سجّل انتصاراً للجيش العربي السوري ولوحدة سوريا أرضاً وشعباً، وسجّل هزيمة لكلّ من حاول استهداف أو تقسيم سوريا وتتويجاً لكل الجهود التي بذلها الحلفاء روسيا والصين وإيران كي لا يسمحوا لهذا المخطط أن يمرّ.
وعدم مرور هذا المخطط يعني بالتأكيد عدم استمراره في المنطقة ويعني بالتأكيد تطورات لافتة أيضاً في اليمن والعراق وليبيا، وعلى مستوى هذه المنطقة التي تترابط الأحداث بها وتتفاعل مهما حاول الخصوم تقسيمها وتجزئتها.
قد تكون نتائج لقاء لافروف وكيري الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، ولكنّ هذا لا يعني أن الدرب مفروشة بالورد أو أن العمل قد انتهى أو أنه يمكن الركون إلى مسار الحدث ومراقبته عن بعد، بل لا بدّ من الاستمرار بالصمود والتضحية، كل في مجال عمله إلى أن يتم تطهير هذه الأرض من دنس آخر الإرهابيين، وإلى أن نمتلك ناصية المستقبل وليس الحاضر فقط كي تتم إعادة بناء هذه البلدان بشكل لا يسمح لأحد بالنفاذ إليها، ولا يسمح باستمرار أي من الثغرات التي استخدمها الأعداء والخصوم لخدمة مخططاتهم على أرضها.
أي إن الصراع التاريخي على هذه الأرض مستمر وقديم قدم التاريخ ولكن التضحيات من أجلها أيضاً مستمرة وكبيرة، ولكننا قد نكون على أبواب إغلاق فصل من فصول هذا الصراع بتسجيل نصر لكل من آمن بأرضه ووطنه، وتسجيل خزي وعار لكلّ من تواطأ وخان وطنه وعمل على استقدام الأعداء لتدنيس أرضه الطاهرة.
ولا شكّ في أن هذا الدرس سيزيد كل المقاومين والشرفاء في المنطقة والعالم صلابة وإيماناً أن الأمور بخواتيمها، وأن الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

د. بثينة شعبان
مفكرة سورية

إلى الأعلى