السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عزيز نيسين والإضراب الكبير

عزيز نيسين والإضراب الكبير

كاظم الموسوي

” عزيز نيسين رمز تركي وأديب معروف عالميا، ترجمت ابداعاته الى عشرات اللغات الاخرى. سألتني باية لغة انت قرأته؟ فأجبتها باللغة العربية. وكنت اسألها عن كتاب اخرين، ناظم حكمت، يشار كمال، اورهان باموق.. وحين ردت بمعرفتها لهم، وقراءة مؤلفاتهم، سألتها هل تدرسين الأدب في بريطانيا، اجابت بأنها تدرس الفنون التشكيلية وهي معجبة بالأدب وتتابع احدث الاصدارات.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما تحلق الطائرة من لندن الى اسطنبول قبل يومين من الانقلاب العسكري الأخير في تركيا دار حديث شيق حول تركيا وما يجري فيها. حيث جلست الى جواري شابة تحمل كتابا بيدها وحقيبة صغيرة وهاتفا ذكيا طبعا، وترتدي ملابس شبابية من الطراز الشائع الان. حيّتني قبل ان تجلس ووضعت الكتاب والهاتف يغطيه على الكرسي وأخذت تخفف من ملابسها وتضعها في الرف الأعلى، ومن ثم جلست وربطت حزام الامان، وبدأت تقرأ في الكتاب. لفت اهتمامي جديتها وانغماسها بالقراءة. اختلست نظرة الى الكتاب، حروفه اشبه بالالمانية، ولم تكشف غلافه لأقرأ اسم مؤلفه على الاقل. بعد وقت تركت الكتاب وتحركت من مكانها. حينها قرأت اسم المؤلف. عزيز نيسين، الكاتب التركي الشهير، بودلير تركيا وضميرها الساخر والناقد الاجتماعي. حين عادت سألتها بأية لغة تقرأين نيسين؟، فردت باللغة التركية. وأضفت: هل انت تركية؟، ابتسمت وردت بالإيجاب. وفهمت ان عنوان الكتاب هو “الاضراب الكبير”، وهو مجموعة قصص، مشوقة، قرأتها باللغة العربية من زمان. وحاولت تذكر محتوياتها. قلت لها عزيز نيسين رمز تركي وأديب معروف عالميا، ترجمت ابداعاته الى عشرات اللغات الأخرى. سألتني باية لغة انت قرأته؟ فأجبتها باللغة العربية. وكنت اسألها عن كتاب اخرين، ناظم حكمت، يشار كمال، اورهان باموق.. وحين ردت بمعرفتها لهم، وقراءة مؤلفاتهم، سألتها هل تدرسين الادب في بريطانيا، اجابت بأنها تدرس الفنون التشكيلية وهي معجبة بالأدب وتتابع احدث الاصدارات. قلت هذه المجموعة القصصية لنيسين ليست جديدة، اكدت انها كذلك ولكن هذه طبعة حديثة مع مقدمة نقدية ودراسة فنية عن ادب نيسين الروائي.
استمر حديثنا عن ادب نيسين، كيف ابدع وخلد ما سجله يراعه وأنتجه عقله. وانتقل الى الاوضاع السياسية وتطوراتها، وواضح ان محاولات استفراد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في الحكم والدولة يثير غضب اوساط كثيرة، محلية ودولية. كما ان ” سياسة صفر مشاكل” ادت الى” صفر علاقات وطنية وإقليمية ودولية”. اتفقنا في مثل هذا الحوار وتمنينا ان تصحو تركيا وتتقدم على مختلف الصعد والمستويات. وعدنا الى الحديث مرة أخرى عن الكتاب ونيسين.
في المعلومات العامة ان محمد نصرت نيسين من مواليد تركيا عام 1915 في جزيرة قرب اسطنبول هو الكاتب عزيز نيسين، حيث اختار هذا الاسم الذي عرف به، للتملص من مطاردات الأمن السياسي في تركيا، ورغم ذلك فقد دخل السجون مرات عديدة، ولأسباب مختلفة، ابرزها سياسية، وكان قد ترجم كتابات لكارل ماركس ونشرها في المجلات التي اصدرها او اشترك فيها. ويعتبر عزيز نيسين واحدا من أفضل كتاب ما يعرف بالكوميديا السوداء في العالم أو ما تسمى بالقصص المضحكة المبكية، وبرغم شهرته الواسعة في كل ارجاء العالم كمبدع إلا أن بلده الأم، تركيا، لم يعطه من حقه سوى القليل، حتى وفاته في تموز عام 1995. ولكنه فاز بالعديد من الجوائز والتكريم المتأخر له ولإبداعه. ولم يتفق بعد على عدد اصداراته، من كتب عنه وما نشر بعد وفاته يكاد يتفق اغلبه بأنها اكثر من مئة كتاب ومخطوط، بين روايات، وقصص قصيرة ومسرحيات ومقالات متنوعة. وتعتبر هذه الابداعات المختلفة وعناوينها الصادمة ادبا متميزا، ناقدا ومحرضا ومراقبا وساخرا بقدرات فنية، واقعية وإنسانية. وقد قال في مقابلة له مع الكاتب سليمان الشيخ اجراها معه في نيسان/ ابريل 1984 ما يلفت الانتباه: “موضوعاتي كلها استقيتها من الحياة التي عشتها وأعيشها، هناك أوضاع إنسانية لا يمكنك المرور عليها مرور الكرام، أوجاع وآلام ومشاكل، صخب حياة وظلم وتخلف وأمراض عديدة، ودوري ككاتب هو تكثيف هذه الحالات والتفاعل معها، وصبها في قوالب أدبية علها تبقى في وجدان القاريء، كي توجهه نحو خلاصه وخلاص غيره من الناس. أما من حيث الأسلوب، فإن تراثنا التركي مليء بالأدب الساخر. ولو سألتني أيهما أقرب إلى نفسي، فإنني أفضل الكتابة الساخرة”. وهذه حقيقة واضحة في نصوصه، فهو مصوّر فنان لكل ما عاشه وجربه والتقطه في حياته عبر الكلمات.
أما في ما يتعلق بالتأثر بالثقافات السائدة عالميا، فقد ذكر “إن ثقافتنا في تركيا منفتحة على كل الثقافات في العالم إلى حد بعيد، وقد استفاد كتابنا من شتى الأساليب السائدة في العالم، والكثير من كتابنا يستوحون من ثقافتهم التقليدية ويمزجونها بالثقافة المعاصرة لتوليد أدب وطني له مميزاته الخاصة، وأنا أميل إلى الأدب الأخير”. وهو ما بثه في نصوصه الإبداعية، ولخص ثقافة شعب وحياة وطن فيها.
وعن رأيه في ما يتعلق بالجوائز ومنها للكتاب، فأحب أن أسجل على لسانه التالي: “إنني عندما أكتب لا أفعل ذلك من أجل الحصول على جائزة، أي جائزة كانت، أنا أكتب لأن دوري في الحياة هو الكتابة، والكتابة عن حالات إنسانية تقتضي أن يكون موقفي في الحياة متوافقا مع ما أكتب، أي أن يكون ضد الظلم والكبت ومصادرة الحقوق والحريات، إن الكاتب لا يكتب ولا يعيش دوره وحياته من أجل الحصول على جائزة”.
عاش عزيز نيسين تجارب صعبة ومتعددة، انتقل خلالها بين محطات تقترب اغلبها الى الفقر والجوع. تخرج من الكلية العسكرية وعين ضابطا ثم فصل وسجن، وعمل بائعا ومن ثم صحفيا وكاتبا، وأصدر مجلات وصحفا او اشترك مع آخرين فيها، مثل المجلة الادبية مع الشاعر التركي ناظم حكمت. وخلال عقد التسعينيات قدم عزيز نموذجا للمثقف العضوي، اذ اشترك في تأسيس منظمات ومؤسسات لدعم الفقراء والنضال من أجل الديمقراطية، ومن أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل السلام والصداقة بين الشعوب، ودخل السجون من اجلها او تصدى بقوة لغيابها. حيث كان له الفضل في تأسيس جمعيات مدنيّة، وثقافيّة، وأدبية مثل “جمعية الصداقة التركية -اليونانيّة”، و”جمعية السلام”، و”نقابة الكتاب الأتراك”، و”فرع “نادي القلم العالمي”. ورغم الضغوطات التي كانت تسلط عليه، لم يستسلم لليأس، ولم يكفّ عن كفاحه، واعترف بكتابه: “لقد قلت الحقيقة دائما، وأبدا لم أقبل الهزيمة. لذا عوقبت أكثر من مرة…ودائما كنت ضدّ الحكومات التي تعاقبت على تركيا منذ ثورة اتاتورك …الأدب لا بدّ أن يكون نافعا للناس أو لا يكون.. وربما أكون قد سعيت دائما الى أن أخاطب أكثر عدد منهم من خلال كتاباتي لكن من دون السقوط في المباشريّة”. وقبل وفاته بالسكتة القلبية في السادس من شهر تموز- يوليو 1995، أوصى عزيز نيسين بأن يدفن في مقر المؤسسة الخيرية التي أقامها مطلع السبعينيات، والتي اهتمت منذ ذلك الوقت باحتضان الأطفال اليتامى والفقراء، والاعتناء بتربيتهم وتعليمهم، وعلاجهم، واضاف:”إنّ اهمّ شيء في نظري هو أن نستحق الموت، أي أن نموت بعد أن نكون قد أعطينا كلّ ما عندنا ..الذين يموتون من دون أن يهبوا شيئا لا يستحقون لا الحياة ولا الموت”. كما اورد عنه حسونة المصباحي. وكما علق على مقال حسونة، رياض الصابر في قوله، مختصرا حياة هذا المبدع الكبير بصدق ومعرفة: عزيز نيسين كان كاتبا مبدعا، سخر امكاناته لنصرة الفقراء والمستضعفين وكشف بسخرية لاذعة عن وجه الانتهازيين ودعاة الدجل ولم يهادن ويجامل احدا رغم كل ما لاقاه من عقوبات وعواقب. عندما تقرأ لنيسين تندمج وبلا وعي بالأحداث وكأنك تعيشها وتجد بين شخوصها بعض من تلتقي امثالهم في حياتك اليومية وخصوصا وان المجتمع التركي لا يختلف كثيرا عن المجتمع العربي.
في مذكراته في المنفى سجل نهجه في الكتابة، فأفاد: “وانا كلي عزيمة في هذا الكتاب، وفي هذه الذكريات “هكذا كان… وهكذا لن يكون” ان اعترف بما لا يعجبني في شخصيتي. ومع ذلك لا يمكن ان نكتب عن كل شيء على ما اعتقد. صحيح انني اكتب ذكرياتي، لكنني لا اتحدث عن نفسي فقط، بل عن الناس الذين، كنت على صلة بهم آنذاك. وأصعب شيء، هو ان نكتب عن الآخرين. اذ ان كل انسان، عانى الكثير في حياته، كما ان الجميع مروا في ازمات سببت الآلام لهم. وأنا على سبيل المثال، قاسيت كل ذلك، وطحنته في داخلي. لكن كيف بالنسبة الى الآخرين، الذين كانوا بالقرب مني؟. ألا يجوز، اننا ببعثنا للماضي، قد نجرح الاقارب، ونسبب الالم لأحد ما؟”.
هذا الكاتب المتميز فتح مع تلك الشابة المثقفة الحديث على متن طائرة وفي فضاء الله المفتوح، ولم يدر بخلدينا اننا نتحدث في زمن يخطط فيه عسكريون وحلفاؤهم للانقلاب على حكم اردوغان. ساعات حوارية لم تتوقع ساعات الانقلاب وحالة الطوارئ ورعب الأزمة الاجتماعية والسياسية والانقلابيين ورد الفعل عليهم. وكانت شجاعة الشابة وقناعتها واضحة بان نيسين مثّل شعبها، ومواقفه هي صوت الطبقات الكادحة في المجتمع التركي اليوم، رغم زمن كتابتها وما نعيشه اليوم.

إلى الأعلى