الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : بناء المعتقدات الإيجابية

رحاب : بناء المعتقدات الإيجابية

أحمد المعشني

بالأمس كان أستاذ في الإقتصاد يذكرني بتجربة تعمين تجارة محلات الخضار والفاكهة والبقالات في أواخر التسعينيات من القرن الماضي والطموح المبني عليها بأن تحقق بعضا من أهداف عمان 2020 ، لكن تلك التجربة لم تنجح، فكان بعض الناس يعزو إخفاقها إلى شبكات التجارة المستترة وتعاظم نفوذها، بينما يرى الأستاذ أن فشل التجربة يمكن أن يعزى إلى تدني خبرات الشباب الذين جيء بهم من بين الباحثين عن العمل ممن ليس لديهم مؤهلات أو خبرات أو تجارب بل أن أغلبهم كانوا من بين الذين تركوا مقاعد الدراسة قبل أن يحصلوا على دبلوم التعليم العام، قلت له: إنني أوافقك بأن الخبرة والتجربة والمهارة كلها عوامل نجاح مهمة وضرورية؛ لكن الأهم منها هو معتقدات الشخص. فلكل شخص معتقدات اكتسبها بفعل التنشئة الإجتماعية من محيطه الأسري والمدرسة والأقران والاعلام والثقافة والدين والتجارب الشخصية؛ وهذه المعتقدات بمثابة البرامج الخفية التي تحرك نجاح الفرد أو اخفاقه، سعادته أو تعاسته، وتجربة تعمين المهن والحرف والمحلات الصغيرة، نشأت بدوافع مخلصة ولكنها لم تراع ما يدور في عقول الشباب. فلم يحصل الشباب على تدريب ولم يتلقوا توعية ولم يحظوا بتوجيه لاكتشاف رؤاهم ورسالتهم وقيمهم في الحياة، فكانوا غير مدركين لقيمة التجربة، ولم يكونوا على وعي بأهمية العمل الفردي الحر، كانت معتقداتهم تدفعهم نحو الوظائف الحكومية التي كانت بالنسبة لهم ولغيرهم تمثل ملاذا آمنا، يقيهم العناء والتفكير والمثابرة، توقيع حضور وانصراف واستلام راتب في نهاية الشهر. إنني أذكر تلك الفترة التي تحولت محلات الخضار في السوق المركزي بصلالة إلى دكاكين مهجورة وأغلقت البقالات، وأحبط الناس جراء اخفاق التجربة ولم يكن لديهم صبر للإستمرار وعادت التجارة المسستترة من جديد بقوة أكثر من ذي قبل. إن الشباب يحتاج اليوم إلى معتقدات النجاح أكثر من أي فترة مضت، ويجب أن تتضافر الجهود إلى بناء نظام معتقدات واتجاهات ايجابية نحو الذات ونحو العمل الحر. يجب أن يتحرر الناس من عبادة الوظيفة ويتجهوا إلى البحث عن أقدارهم في العمل الحر الابداعي الذي يتيح المجال واسعا لتحسين الحياة بمختلف مجالاتها. عندما يبلغ الشاب سن الواحدة والعشرين ويتخرج من الجامعة يكون عقله قد شحن بمعتقدات سلبية غير محدودة من قبيل” الفرص قليلة” ” اذا ما عندك واسطة ما تمشي” ” عندك قرش تسوى قرش” ” الهوامير استولوا على كل شيء” ” أنا ما اصلح تاجر” ” التجارة لأصحابها” ” الهنود أخذوا كل شيء” وجميع هذه المعتقدات تعيق التفكير وتلغي دور المثابرة والاجتهاد وتجعل الشاب يذعن للمألوف الوهمي الذي خلقه في عقله. على الشاب أن يعرف أن المعتقدات يمكن أن تتغير، ويمكن استبدالها. أتمنى أن تقوم الجهات المسؤولة عن المشروعات الصغيرة بدور كبير في حقن برامج التدريب التي تقدم للشباب المقبلين على مشاريع خاصة بمهارات بناء معتقدات ايجابية نحو الذات نحو العمل الذاتي الحر ونحو الوطن والمجتمع ومؤسساته. يجب أن يتحرر الشباب من الشعور بالفاقة والعجز وفقدان الحيلة، وأن يدركوا جيدا أن عمان حباها الله بكل مقومات الحياة الكريمة. إن حياة العمانيين على امتداد التاريخ كانت مزدهرة، فأجدادنا برعوا في التجارة والملاحة والزراعة والرعي والحرف التقليدية مسنودين بمعتقدات ايجابية تتمثل في الثقة المطلقة بأن الله سبحانه وتعالى هو الرازق وهو المعطي والقناعة والرضا وحياة بسيطة خالية من عبودية استهلاك الكماليات وادمانها. كان أجدادنا متحررين من معتقدات الفشل، لأن نظامهم التربوي كان فطريا وطبيعيا، بمجرد أن يبلغ الولد سن البلوغ يباشر عمله وتكوين أسرة، بينما تدرك الفتاة دورها وسرعان ما تتزوج. وبالتالي فقد جاب العمانيون مجاهل الشرق والغرب واستقروا وبنوا أعمالا وتجارة من الصين شرقا حتى الولايات المتحدة الأميركية غربا، دون أن يشعروا بعقدة ” الفرص قليلة” أو ” الواسطة هي كل شيء” يعرفون بأن الأرض هي أرض الله والرزق من الله، وعلى الإنسان أن يعمل ويسعى وينتظر النتيجة.

رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى