الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس

القانون والناس

سالم الفليتي

أحكام الدعوى الصورية
**
نواصل قراءتنا في قانون المعاملات المدنية العماني ونخصص هذه المقالة للحديث في موضوع أحكام الدعوى الصورية. كثيراً ما يعمد المدين في حالة ما إذا استشعر سوء حالته المالية وتأكد له أن دائنيه سيقومون بالتنفيذ على أمواله إلى تهريب هذه الأموال ويكون ذلك ـ عادةً ـ عن طريق التصرف في تلك الأموال تصرفاً صورياً غير حقيقي، بحيث تبدو في الظاهر مملوكة للغير إبعاداً لها عن متناول الدائنين مع أنها في الحقيقة تظل مملوكة للمدين ذاته.
ومن هنا فإن مثل هذا التصرف ـ لاشك ـ أنه يمثل إخلالاً واضحاً بالضمان العام للدائنين، مما يؤدي إلى زعزعة الثقة في النظام العام القائم على مبدأ حرية المدين في التصرف في أمواله وممتلكاته كيفما يشاء. وقد نص المشرع العماني على هذه الدعوى في المادتين (270)،(271) من قانون المعاملات المدنية، حيث يجرى نص المادة (270) بالقول: ” إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد صوري فالعقد النافذ بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي.” في حين المادة (271) نصت بالقول: ” 1- لدائني المتعاقدين والخلف الخاص في العقد الصوري أن يتمسكوا به متى كانوا حسني النية، كما لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر ويثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضر بهم. 2- إذا تعارضت مصالح ذوي الشأن فتمسك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسك الآخرون بالعقد المستتر كانت الأفضلية للأولين.” فما تعريف الدعوى الصورية؟ وماهي شروطها؟ وماهي الآثار التي ترتبها هذه الدعوى؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها في مقالتنا هذه.
الصورية بصفة عامة هي: اتفاق بين الأطراف على ستر موقف حقيقي بموقف ظاهر، بمعنى أكثر توضيحاً الصورية هي إيجاد مظهر قانوني كاذب يخالف الحقيقة من أجل تحقيق هدف معين، خذ على ذلك مثالاً: في حالة بيع المدين ماله بيعاً صورياً كي يبعد تلك الأموال عن دائرة الضمان العام للدائنين. ومن هنا يتبين لنا أن هناك شروطا معينة يستلزم توافرها لقيام دعوى الصورية يمكن إيجازها على النحو الآتي:
الشرط الأول: اتجاه الإرادة إلى إتخاذ موقف قانوني حقيقي مستتر مقتضاه العلاقة الحقيقية القائمة بين الأطراف والتي يهدفون إلى سترها وإخفائها بالموقف أو التصرف القانوني الصوري الظاهر. كما يستلزم الأمر ايضاً اتجاه الإرادة ذاتها إلى إتخاذ موقف قانوني صوري ظاهر.
الشرط الثاني: أن يختلف العقد الحقيقي والصوري من حيث الماهية أو الأركان أو الأشخاص فلا يكفي أن يوجد عقدان أحدهما حقيقي والآخر صوري إنما فوق ذلك يجب ـ وهذا شرط بديهي ـ أن يختلف العقدان أو الموقفان وإن اتحدا في أطرافهما وموضوعهما لوحدة العلاقة فيما بينهما يلزم إختلافهما من حيث الطبيعة أو من حيث الأركان أو الشروط باعتبار أنهما إذا اتحدا في هذه الأمور فيطابق الموقفان، فعندها لا نكون أمام عقد حقيقي وآخر صوري.
الشرط الثالث: وجوب تعاصر العقدين الحقيقي والمستور: والسبب في ذلك أن عدم تعاصر العقدين قد يفهم منه أن العقد الأخير ماهو إلا تعديل لشروط العقد الأول، وبطبيعة الحال لايقصد هنا بالمعاصرة الصورية المعاصرة الزمنية وإنما يقصد بها المعاصرة الذهنية التي تربط بين الموقفين أو العقدين بحيث يتم التفكير بينهما في وقت واحد ويهدفان لتحقيق موضوع واحد. وفوق هذه الشروط يجب أولاً أن يكون حق الدائن موجوداً ثابتاً خالياً من أي نزاع.
أما من حيث الآثار التي ترتبها دعوى الصورية فقد تكفلت بها المادة (270) من القانون، حيث نصت هذه المادة صراحةً على أن العقد النافذ بين المتعاقدين وخلفهما العام هو العقد الحقيقي حتى في حالة تسجيل العقد الظاهر، باعتبار التسجيل هنا يهدف إلى إخفاء حقيقة التصرف الحقيقي. “إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد صوري فالعقد النافذ بين المتعاقدين والخلف العام هو العقد الحقيقي.” وهذا الحكم في الحقيقة يسري على كافة أنواع الصورية مطلقة كانت أم نسبية فالعقد الظاهر لا أثر له بينهما، خذ على ذلك مثالاً: في البيع الصوري لا تنتقل ملكية المبيع من ذمة البائع إلى ذمة المشتري وبالتالي إذا مات البائع تنتقل ملكية المبيع إلى ورثته.
أما بالنسبة لآثار الصورية على الغير فقد أوضحت المادة(271) أنه يجوز للغير أن يتمسك بالعقد الحقيقي، كما يجوز للغير التمسك بالعقد الصوري متى كان حسن النية، وعند تعارض مصلحة ذوي الشأن “الأطراف” تكون الأفضلية بالعقد الظاهر “الصوري” وقد جرى نص هذه المادة بالقول: ” … إذا تعارضت مصالح ذوي الشأن فتمسك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسك الآخرون بالعقد المستتر كانت الأفضلية للأولين.”.

أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد
كلية الزهراء للبنات
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى