الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / القناعة المهنية وإنتاجية المؤسسات

القناعة المهنية وإنتاجية المؤسسات

**
يبدو أن مسألة الانتاجية بالمؤسسات باتت اليوم مرتبطة بجملة من الموجهات، فبالإضافة إلى مسألة الاستثمار في الرأسمال الاجتماعي والثقافي والمعرفي والفكري، والموارد المادية، ومستوى توفر التجهيزات، وجودة العمليات الداخلية للمؤسسة والكفاءة الخارجية، والقدرة على جذب استثمارات أكثر، وتوظيف المهام والاختصاصات وغيرها، بات البحث في مسألة التوافق والرغبة والشعور الايجابي والارادة التي يمتلكها الفرد نحو وظيفته ومبادئ المؤسسة وقواعد العمل بها، أحد مدخلات تعزيز الانتاجية، لما توفره للموظف من فرص ادراكه لمتطلباتها والمسؤولية الاجتماعية والاخلاقية والقيمية نحوها،عبر تعزيز سلوك الالتزام والانضباط والاخلاص والابتكارية والرقي الفكري والطموح المهني ، لذلك أصبحت قناعات الموظف وأفكاره التي يحملها عن مؤسسته والاحترام والتقدير لها، ودفاعه عن منطلقاتها، وترويج أهدافها وبرامجها وأنشطتها لدى الرأي العام، وتعايشه الإيجابي مع منظومة العمل، انعكاساتها على ممارساته الشخصية، ومسؤوليته المهنية، فبقدر حضور المؤسسة في مدركاته الفكرية والمهنية، تزداد قدرة الموظف على التعاطي بكل ابتكارية ومهنية وشعور، مع التوجهات والأفكار التي تطرحها المؤسسة، وأن مسؤوليته تحتم عليه أن يكون على استعداد تام وجاهزية لا تشوبها أو تعكر مزاجها الأنانية، لأنه يدرك أن عليه أن يعمل وينتج ويبادر ليجعل سقف عطائه المؤسسة، وغاية نتاجه رقيها، ومحط نظره هو كيف ينقل ضمير المسؤولية لديه في الوصول بأهداف المؤسسة إلى مستوى يفوق التوقعات، هذا الأمر وفي ظل ما يبرزه واقع الوظيفة العامة، والممارسات التي باتت تفرض مستويات أخرى تتجانب والتقدير الذي ينبغي أن تحظى به المؤسسات ، تعطي مؤشرات الخلل في القناعات المهنية التي عززت حضورها أيضا الظروف المالية الحالية التي تعيشها المؤسسات من إيقاف الترقيات والمكافآت والحوافز والتي تلقي بظلالها على قناعات الموظف وتؤثر سلبا في مستوى الانتاجية المؤسسية، وما نتج عنه من تكدس في بعض الاقسام والتخصصات دون غيرها ، وبروز مسألة الترهل الوظيفي على السطح من حيث زيادة عدد الكادر مع قلة المعروض من المهام التشغيلية الحيوية المنتجة بالمؤسسات، وبالتالي البحث في جملة من الإجراءات التصحيحية والمراجعات التي تتيح فرص أكبر للاستثمار في الرأسمال البشري الاجتماعي بما يقلل من تأثيرها على سلوك الموظف، عبر تمكين المؤسسات من إيجاد بيئة عمل مساندة معززة للابتكار، مؤصلة للوعي، مؤكدة لقيم المسؤولية والتعاون، دافعة للموظف من خلال اساليب التوجيه والاقناع والتوعية المبتكرة ، نحو تلمس الأولويات، والاهتمام بطرح الأفكار الابداعية وتعميق النمو الفكري والنفسي ومشاعر الايجابية لديه، وتعميق جسور التواصل والحوار المقنن المعزز بالتشريعات المؤسسية ، بالشكل الذي تحتوي في المؤسسات فكر الموظف وثقافته، وتتيح له مساحات أوسع في التعبير عن آرائه وتوجيهها لصالح البناء المؤسسي، وتأكيد حضور قيم المؤسسة في أي توجهات تنظيمية وتخطيطيةأو رقابية أو تقييمية، بما يعزز الثقة بين مختلف التقسيمات، بأن العمل يتم وفق التشريعات والأنظمة التي يحتكم إليها الجميع وتشكل إطارا لعملهم، فتتحقق بذلك العدالة الادارية وتنمو المواطنة التنظيمية، ويبرز الولاء المؤسسي كمنطلق لنشاط المؤسسة وقدرتها على إدارة اختصاصاتها، فيصبح هدف الجميع تحقيق التنافسية والابتكارية،، لتتفوق بالتالي هذه الأولويات والاهتمامات والأطروحات على ما عداها من ممارسات، باتت توجه مسار العمل لأهداف أخرى أو غايات شخصية، غيرّت مسار عمل رؤساء الوحدات من الاهتمام بالأولويات المؤسسية العليا والغايات الكبرى إلى البحث في أعمال روتينية ولقاءات جانبية على حساب العمل، وبات الشغل الشاغل للمسؤول كيف يعالج المشكلات، وكيف يرضى جميع الأطراف، وكيف يجمع بين متنافسين على الوظيفية، وكيف يحل مشكلة الأنا، وكيف يتعامل مع تصرفات بعض الموظفين وعدم انضباطهم ، وكيف يصحح مسألة الازدواجية، وكيف يقنع الموظف بأن يبقى في وظيفته وغيرها.
إن البحث في جودة الكفاءة الادارية للجهاز الاداري للدولة يستدعي اليوم إيجاد إطار وطني لبناء محددات الانتاجية بالمؤسسات وإدارة العمليات المؤسسية، بما يسهم في تعميق القناعات المهنية الايجابية، وتأكيد قيم وأخلاقيات الوظيفة وثقافة احترام المسؤوليات، فإن المؤمّل من جامعة السلطان قابوس وفي ظل ما تمتلكه من أطر مرجعية معتمدة للبحث العلمي والدراسات العليا وأنظمة التقويم وفي مجالات الابتكار وريادة الأعمال، أن تبادر نحو تقديم أطر داعمة لرفد مؤسسات الدولة بنماذج التقييم وأنظمة القياس والرصد، في مجال الشخصية المهنية، وصناعة القدوات المؤسسية، وبناء القيادات بالمؤسسات، ونماذج اختبارات وقياس الاتجاهات والانطباعات والقناعات والدوافع والرغبات والرضا الوظيفي وإدارة المشاعر وغيرها، بما يوفر مؤشرات واضحة للقياس الكمي والنوعي للإنتاجية، ويؤصّل لمراجعات قادمة تقوم بها مؤسسات الجهاز الاداري للدولة في هذا الشأن.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.20202hotmail.com

إلى الأعلى