الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاث أوراق عمل تكشف القضايا التاريخية في عمان وفق آليات حديثة ورؤى مختلفة
ثلاث أوراق عمل تكشف القضايا التاريخية في عمان وفق آليات حديثة ورؤى مختلفة

ثلاث أوراق عمل تكشف القضايا التاريخية في عمان وفق آليات حديثة ورؤى مختلفة

في ندوة “التاريخ العُماني قراءات وتطلعات” بالنادي الثقافي

كتب ـ خميس السلطي:
أقام النادي الثقافي بمقره في منطقة القرم مساء أمس الأول بالتعاون مع شبكة المصنعة الثقافية، ندوة “التاريخ العُماني قراءات وتطلعات”، شارك فيها عدد من الباحثين والمختصين بجانب التاريخي التراثي. الندوة التي حضرها عدد كبير من المتابعين والتي أدارها الدكتور بدر العلوي رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، ناقشت القضايا التاريخية في عمان وفق آليات حديثة ورؤى مختلفة.
البداية كانت مع الدكتور خالد البلوشي الذي قدم ورقة عمل بعنوان “الحاضر منتِجًا التاريخَ ومستهلِكًا إيّاه”، وفيها حاول البلوشي إيجاد عملية تميّز بين الماضي والتاريخ؛ فالأول هو ما كان، مجموعة من البشر عاشوا في زمن غير زمن المؤول، أمّا الثاني فهو، تأويلا، خطابٌ، له محدداته وموجّهاته، يحيل بعضها إلى بعض لكسب الشرعيّة، هذه الإحالات ليست بريئة، وإنما هي تأتي في منظومة لها مركزها وهوامشها، لها حقّها الذي تعزّزه وتحتفي به، وباطلها الذي تزدريه وتقصيه. وهنا أشار البلوشي إلى أن الخطاب التاريخي كغيره من الخطابات يميل إلى الاختزال، فالمؤرخ ينطلق من سياقه على النحو الذي نظّرت له، فينتقي تفاصيل ويترك آخر، فالحق أنه أيا تكن انتماءات المؤرخ فهو يسجل الظاهر من السلوك ويترك الشخص والشعور .
بعد ذلك قدم الشاعر سماء عيسى ورقة عمل ثانية حملت عنوان “المأساويون في التاريخ العُماني”، وهنا تطرق إلى الصراع السياسي بين المدرستين النزوانية والرستاقية في إحدى حلقاتها الأكثر حدة وتطرفاً وتعصباً وعنفاً، هي فترة الإمام راشد بن سليمان الخروصي 473 -513 هـ وهي الفترة التي شهدت رجم القاضي الشيخ نجاد بن موسى المنجي عام 513 هـ النموذج لأكثر الطرق عنفاً وقسوة في الخلاص من معارضي السلطة السياسية، وصولاً إلى اغتيال الإمام راشد بن علي في نفس العام بنزوى. وأشار سماء عيسى إلى أن هناك حاجة لقراءات في التاريخ السياسي خاصة وأنها أصبحت ضرورية اليوم من حيث إنها تجعلنا نقف على أرضٍ صلبة من التأسيس الخلاَّق لمجتمع المستقبل القائم على مبادئ المحبة والعدالة والحرية؛ مما يضمن لأجيالنا القادمة الاستقرار ولوطننا التقدم والتطور.
بعد ذلك ألقى الدكتور سعود الزدجالي ورقة عمل ثالثة حملت عنوان “الصورة النمطية للإمام في التراث الإسلامي من خلال كتابات السالمي والحارثي .. دراسة سيميائية”.
وفي هذه الورقة يشير الزدجالي إلى أن السيميائيات تحاول أن تتخذ من “لغة العلوم” موضوعا لها؛ فالمجال السيميائي ـ كما ترى جوليا كريستيفا ـ هو يغير من التمييز بين الفلسفة والعلم، إذ لا تستطيع الفلسفة تجاهل “الأنساق الدالة” أو “الخطابات” للعلوم، كما أن العلوم لا تستطيع نسيان كونها “خطابات”؛ فالتحليل الدلائلي بوصفه مجالا لتداخل العلم والفلسفة، ومجالا للتحليل النقدي للخطوة العلمية يرتسم كمفصل يمكّن من التشكّل المهشّم والمتراتب والتمايزي لمعرفة مادية، وكأن التحليل الدلائلي يروم أمرين، الأول انتزاع مجموع الأنساق الدالة للعلوم من أحاديتها اللانقدية؛ فالنص الديني ـ السياسي يتجه نحو موضوعه، ويتجاهل الذات من حيث هي عامل حاسم في تشكيل الخطابات؛ فيقوم التحليل الدلائلي بتنظيم الأنساق الدالة بطريقة نقدية؛ ليسهم في إعادة إنتاج “الممارسات الدالة”؛ فلم يعد هذا الخطاب مقدسا؛ حين تقوم السيميائيات بفك سحره، وفضح مراميه، وإعادة ربطه، كونه ظاهرة مادية تنصبّ عليه أدوات التشريح، والثاني تمزيق الحياد الخفي أو المتظاهر للغة الواصفة ذات التضخم العياني؛ لإعادة إلصاقها بالتاريخ والذات؛ لذا تنفذ السيميائيات إلى كل المواضيع المتصلة بالمجتمع، والفكر؛ ومنها الخطاب التاريخي الذي يعد ظرف الأيديولوجيات النابتة والراسخة.
وأضاف في سياق حديثه إن الخطاب التاريخي يتشكل عبر ثلاثية ظاهرة تتمثل في الحدث، والذات المؤرخة، واللغة بوصفها النسق النهائي الذي يتحمّل مسؤولية إعادة التشكيل والسيرورة اللانهائية؛ فهي تختلس الدخول لاكتشاف المناطق الباهتة وراء الأنساق الدالة؛ لتقديم زيفها الرمزي المقدس؛ الذي يخفي المساحات الواسعة من الأهواء الإنسانية؛ لأن الخطاب التاريخي في منطقة “الديني ـ السياسي” خطاب الفعل، في الهدم والبناء الاجتماعيين.
إجمالا الورقة حاولت النفاذ إلى صورة “الإمام” في التراث الإباضي بوصفه عنصرا فاعلا في بناء الكيان السحري المسمّى بالدولة؛ وفي هذا النفاذ نصل إلى علاقة الشروط بالواقع لتفكيك العلاقة بين القوة والفعل عبر “لغة التاريخ” عند السالمي في “التحفة” والحارثي في “اللؤلؤ الرطب”؛ فالإمام بوصفه مقولة جوهرية عند المسلمين هو “تحقّق للمقدس”؛ لذلك يتشكل عبر لغة التاريخ وأنساقه في نمطية الإمام الورع، وفي نمطية الإمام العادل، وفي نمطية الإمام المصلح، وهو من حيث هو تمثيل للمقدس؛ يعدّ ظلّ النبوة الذي تنبثق منه “الكرامات”.
وفي نهاية الندوة فتح باب النقاش حيث طرحت العديد من النقاط حول أوراق العمل وتم تداول عدد من الأفكار التي أخذت مساري الشد والجذب في بيان إظهار الحقائق حول بعض الوقائع في التاريخ العماني.

إلى الأعلى