الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التكنولوجيا والخرافة

التكنولوجيا والخرافة

أحمد مصطفى

”قد يكون الربط قسريا بين تطور العلم والتقدم التكنولوجي وزيادة الإغراق في الغيبيات عموما كرد فعل. لكن أيضا لا يمكن تجاهل تزامن الظواهر، خاصة وأن هناك سوابق تاريخية كثيرة منذ بدء تاريخ البشرية المعروف لتزامن وتقاطع وتباين التوجهين. ونشير من البداية إلى أن القصد هنا ليس المقارنة بين العلم والدين، فالدين ـ أي دين ـ في جوهره يحفز على العلم وإعمال العقل في أمور الدنيا والحياة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع التقدم العلمي الهائل الذي نشهده بشكل شبه يومي تقريبا، خاصة في مجال التكنولوجيا والذكاء الصناعي الذي يهدد البشر بأن يحل محل عقلهم الذي يميزهم عن بقية الكائنات على الأرض يزيد انتشار الخرافات والدجل بوتيرة مقابلة تقريبا. من غير الواضح طبعا إن كان هناك أي رابط بين هذا وذاك، لكن هذا التزامن ليس مجرد مصادفة. ولعلنا لاحظنا في الربع الأخير من القرن الماضي ارتباط تطور التكنولوجيا، خاصة الانترنت ووسائل الاتصال، بموجة التدين الشديد في كثير من المجتمعات وتحديدا أكثر في مجتمعاتنا. ومع أن تلك الموجة لم تنته بعد (وإن بدأ منحنى صعودها في الهبوط) فذلك يسير بالتوازي على ما يبدو مع استمرار تطور التكنولوجيا الذي بدأ في ثمانينيات القرن الماضي.
مرة أخرى، قد يكون الربط قسريا بين تطور العلم والتقدم التكنولوجي وزيادة الإغراق في الغيبيات عموما كرد فعل. لكن أيضا لا يمكن تجاهل تزامن الظواهر، خاصة وأن هناك سوابق تاريخية كثيرة منذ بدء تاريخ البشرية المعروف لتزامن وتقاطع وتباين التوجهين. ونشير من البداية إلى أن القصد هنا ليس المقارنة بين العلم والدين، فالدين ـ أي دين ـ في جوهره يحفز على العلم وإعمال العقل في أمور الدنيا والحياة. إنما الملاحظة التي نتوقف أمامها هي أنه في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ترى الناس في أنحاء كثيرة من العالم تلجأ للخرافة والعرافة حتى إن البعض يستعيض عن الطب النفسي والعلم بالعلاج “الروحاني” وخزعبلات الجن والعفاريت. صحيح أن تلك الخرافات لم تنته من حياتنا، إلا أن ما نراه الآن يتجاوز ما عرفناه من قبل إذ تجد الإعلانات على التلفزيون والانترنت عن “الشيخ الفلاني” و”العرافة الخارقة” و”المعالج الروحاني” في أوقات الذروة وعلى مواقع مهمة.
مفهوم أنه في أوقات عدم اليقين، واضطراب الأوضاع (سياسية واقتصادية واجتماعية) تنتشر تلك الممارسات التي تحكي توجها لبعض قطاعات التجمعات البشرية نحو التفسير الغيبي وشماعة “النجوم والحظ” لتفسير أوضاع صعبة. وربما أيضا نتيجة عدم قدرة التفسيرات العقلانية على اقناع الناس العادية بمعنى ودلالة تطور ما في حياتها يلجأ هؤلاء للعرافة والخرافة. لكن، مرة أخرى، هذا موجود دائما في حياة الناس ـ حتى في حالات المرض المستعصية ونتيجة أن (الغريق يتعلق بقشة) حين تسد ابواب الطب والعالم يلجأ الناس للسحرة والمشعوذين من باب (ماذا سنخسر إن لم نكسب!). إن ما نراه هذه الأيام من انتشار لتلك الممارسات يكاد يشبه عملية ارتداد عن شدة التطور إلى قاع الخرافة. يبدو الأمر أشبه بنظرية الخيزرانة، التي ان مالت بشدة في ناحية لا تردها مستقيمة كي تعتدل، بل تسحبها ميلا مشابها في الناحية الأخرى لتظل تتأرجح مع ضيق قطر الميل حتى تستقر مستقيمة أو تكاد.
ببساطة، يصعب على البعض تصور أن الروبوتات الذكية يمكن أن تحل محل أطباء الجراحة في إجراء العمليات الدقيقة، بالضبط كما كان القوم يسخرون من الأخوين رايت في محاولتهم الطيران بتعديل موتور دراجة بخارية. نعم، هناك من لا يتابع ولا يطلع ومن ثم قد لا تقلقه هذه الأمور. لكن مع التطور السريع للإنترنت على أجهزة الهاتف المحمول، لم يعد التعليم حتى عائقا أمام المعرفة فمن لا يستطيع القراءة يشاهد فيديو ويسمع ويعرف. لكن تلك المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى توسيع المدارك وتمكين البشر من استيعاب قدرات التطور خاصة في مجال التكنولوجيا. وكأنما منحنى العمر الذي يعيد المرء إلى حالة أقرب للطفولة حين يتقدم به السن بعد الشيخوخة كما في قوله تعالى في كتابه الكريم: “ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا” (سورة الحج).
المثير حقا، هو أن من يترددون على هؤلاء الدجالين والمشعوذين ليسوا فقط من الفقراء غير المتعلمين وإنما منهم ما يوصفون بأنهم “مثقفون” ومتعلمون ومطلعون على كل ما هو جديد في الدنيا. كيف يمكن إذا تفسير لجوء هؤلاء للخرافة والدجل؟! ربما كان مهربا من شدة التطور التكنولوجي، وربما كان مجرد “نزوع لما هو أدنى”، مثلما نشاهد في الأفلام القديمة ابناء الطبقات الارستقراطية وهم يشتهون طعام الفقراء البسيط، وربما كان مجرد تمسك ببعض ما هو قديم لتوازن الشخصية الجمعية التي تجد نفسها بلا جذور وسط طوفان التطور التقني، وربما .. وربما .. إلى آخر ما يمكن أن يخطر على البال من احتمال. يبقى فقط أن البشرية توازن نفسها، مع تطور ما يبدعه العقل البشري يزداد الجنوح نحو ما هو بدائي ومع شدة الفورة يميل للتقتير (في كل شيء بما فيه المعلومات والمعرفة). تلك على ما يبدو طبيعة البشر.
ملاحظة أخيرة، لست أدري إن كانت تستحق أم لا فالأمر متروك لمن يفكر فيها، هي أن ذلك التوجه نحو الخرافة والدجل زاد بعض الشيء بعد موجة احتجاجات ما سمي “الربيع العربي”. من غير الواضح إن كانت تلك ردة فعل على مزيد من الإحباط لدى الناس بعد المغالاة في التوقعات من نتائج تلك التقلبات، أم لأن تلك الموجة إنما دفعت بالناس أكثر نحو الغيبية والخرافة. ولعل ما يمر به العالم كله من عدم يقين، وما تشهده المنطقة من اضطرابات يبدو أنها ستطول أمدا، يدفع أكثر نحو تلك الممارسات ويفتح أبواب رزق لدجالين ومشعوذين جدد .. والله أعلم.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى