السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ميزان المصالحات الرهان المتبقي

ميزان المصالحات الرهان المتبقي

عادل سعد

”إن ما يجري في الشمال السوري الآن على يد بعض الجماعات المسلحة بالغطاء اللوجستي التركي لا يمثل فرصة مؤاتية للمعارضة السورية مثلما لا يمثل حلًّا جذريًّا للسكان السوريين في الشريط الحدودي المتاخم لتركيا، فالاوضاع هناك حبلى بالمفاجآت، وقد تتخلى أنقرة في يوم من الأيام عن هذه الجماعات المسلحة عندما تجد أن لتوغلها في الأراضي السورية ثمنًا باهظًا”

بينما يعتلي النهش الإعلامي منصة المأساة السورية، وفي الوقت الذي يتواصل فيه تأثيث الخراب واعتماده وسيلة من وسائل الدعاية السياسية لأطراف معينة في المعارضة السورية، أقول في هذا الوقت بالذات الذي تسود فيه تلك التوجهات غير المسؤولة والمحزنة في آن واحد يغيب عن اهتمامات الساحة الإعلامية التوجه الخاص بتحقيق المصالحات لإنهاء الصراع الدموي في العديد من مناطق سوريا.
لقد تحققت المصالحات في أكثر من 450 مدينة وبلدة وقرية سورية حتى الآن على امتداد الخريطة هناك، ومع ذلك لم تنل هذه المصالحات سوى التعميم المقصود بالرغم من أنها عنوان يستحق التوقف عنده ونشر المبادئ التي تتولى تغذيته للكثير من الاعتبارات، لعل في مقدمتها إيقاف سفك الدم السوري والكف عن نزعات التقطيع والتدمير والنسف والتوجه بروح تضامنية تقوم على تسوية قضايا المسلحين إلا من تسبب في هدر الدم وامعن في القتل.
إن غياب هذه المصالحات عن دائرة الاهتمام الإعلامي على الرغم من كثرتها، وعلى الرغم من أنها أوجدت واقعًا تستحقه الحياة السورية، فإنه يكشف بالدليل القاطع أن هناك قوى مرتبطة بشكل أو بآخر مع دوائر إقليمية تضغط عليها وتملي إرادتها بالصورة والصوت لتمرير الواقعة الميدانية المؤلمة، الأمر الذي يؤكد بما لا يقبل الشك أن مجاميع معينة تريد للكارثة السورية أن تستمر؛ لأن استمرارها يبقيها ضمن دائرة الضوء والاهتمام، وهكذا تكون قد باعت واشترت لصالح أرباح ومغانم، وإلا كيف يمكن أن لا يجنح هؤلاء المعارضون للسلم الأهلي وتسوية قضايا المسلحين مع أن ذلك يمثل حاجة أساسية لهم بعد أن تبين بشكل واضح أن وعود كسب الحرب قد تبخرت.
إن المعارضين للمصالحات في سوريا الآن يحاولون تشويه الحقائق من خلال الادعاء أن الهدف منها التغيير الديمغرافي وقد اتخذت هذه الدوائر ما جرى في داريا ومعظمية الشام وحي الوعر عينات لترويج تلك المزاعم، مع أن ما حصل هناك يمثل تسوية طرحت على المسلحين في المفاضلة بين معالجة أوضاعهم وعودتهم إلى حياتهم الطبيعية أو مغادرة المنطقة.
وهكذا كان من الطبيعي والحتمي أن يصطحب المسلحون الذين يرفضون التسويات عوائلهم معهم باتجاه المناطق التي يجدونها ملائمة لهم، مع حقيقة ينبغي أن لا يتم إغفالها بأي حال من الأحوال وهي أن ما يجري في الشمال السوري الآن على يد بعض الجماعات المسلحة بالغطاء اللوجستي التركي لا يمثل فرصة مؤاتية للمعارضة السورية مثلما لا يمثل حلًّا جذريًّا للسكان السوريين في الشريط الحدودي المتاخم لتركيا، فالأوضاع هناك حبلى بالمفاجآت، وقد تتخلى أنقرة في يوم من الأيام عن هذه الجماعات المسلحة عندما تجد أن لتوغلها في الأراضي السورية ثمنًا باهظًا، وأن ميزان الحرب سيميل لصالح دمشق وهو في كل الأحوال ثمن قادم لا محال.
وأخيرًا إذا كان اليأس قد تسلل إلى نفوس العديد من المسلحين، أو استيقظوا على حقيقة أنهم ليس سوى وقود في المشهد المأساوي السوري، أو لأن الإنهاك أدركهم، فإن طموحهم للمصالحة يمثل بحق خطوة أساسية للعدالة الانتقالية المنشودة والاتعاظ هنا لا مفر منه من خلال المشهد الكولومبي، ففي الأيام القليلة الماضية حصلت مصالحة تاريخية بين الحكومة الكولومبية ومنظمة فارك بعد 50 عامًا من القتال المحتدم بين الطرفين، بل إنني على يقين تام أيضًا بأن المصالحة هي الطريق الوحيد المفتوح والمتبقي أمام اليمنيين، إذ لا فرصة في عموم المنطقة الآن إلا الدخول في عمليات إطفاء بعد أن سقطت الكثير من الرهانات.

إلى الأعلى