الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (121)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فالحـلـم صفـة مـن صـفات المـؤمـن، والحـلـم يـقـسم إلى قـسـمين، قـسـم ذاتي وهـو مـوهـبة مـن الله تعالى، وقـسـم بالتحـلَـم أي بالتـعـلـم، ويـقـال تتحـلم تتـصنـع الحـلـم، تجـعـل نفـسك حـليـماً، تـتكلـف الحـلـم، تضـغـط عـلى نفـسـك تـكـظـم غـيـظـك، فـتحـدث لـك صلـة بالله تبارك وتعـالى حـقـيقـة، أنـت تجـاهـد نفـسـك، ولـما قـال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(رجـعـنا من الجـهـاد الأصـغــر إلى الجـهاد الأكـبر) هـو جـهاد النفـس الأمارة بالسـوء، الـمـيالة إلى الهـوى.
قال الله تـبارك وتعـالى:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (الـبـقـرة ـ 45)، وكان النبي (صلى الله عـليه وسـلم) في الخـنـدق ومـعـه ثـلاثـة آلاف مـؤمـن مـن الصـحابـة ـ رضـوان الله عـليهـم، وكان الـبـرد شـديـداً، فانـتابـهـم خـوف وجـوع وعـطـش.
وما اجـتـمع في الجـزيـرة الـعـربية مـن قـبـل جـيـش بهـذا العـدد، إذ بلـغ عـدده عـشـرة آلاف مقـاتـل، جـاء هـذا الجـيـش الجـرار ليستأصـل المسـلـمين مـن جـذورهـم، ومـع ذلـك كان النبي (صلى الله عـليه وسـلم) مـع أصحابه في الخـنـدق، يحـفـرون ويتـمـرسـون وقـد أصابهـم جـوع شـديـد.
قال جـابـر بن عـبـد الله: فانـكـفأت إلى امـراتي، فـقـلت هـل عـنـدك شيء فإني رأيـت بـرسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) خـمصـًاً شـديـداً، فأخـرجـت إلـي جـرابا فـيه صـاع مـن شـعـير، ولـنا بهـيـمـة داجـن فـذبحـتها وطـحـنـت الشـعـير.
ثـم قال جـابـر:(يا رسـول الله ذبحـنا بهـيمة لـنـا، وطـحـنا صـاعـاً مـن شـعـير كان عـنـدنا، فـتعـال أنـت ونـفـر مـعـك)، فـمـن حـبهـم للنبي الشـديـد ما كان أحـدهـم يسـتسيـغ أن يـأكـل لـقـمة وحـده، فـماذا فـعــل النبي (صلى الله عـليه وسـلم)؟.
أيمـكـن للنبي (صلى الله عـليه وسـلم) أن يـأكـل وحـده، أو مع نفـر قـلـيـل مـن أصـحابه، ويـدع بقـية أصـحابه جــوعـى؟، أبـدا لا يـمـكـن فـقـال للجـيـش كـله:(يا أهـل الخـنـدق إن جـابـرا قـد صـنع لكـم ســوراً فـحـي هـلا بـكـم).
فـهـذا الصحـابي ذاب كالشـمعـة اسـتحـياء، أي طـعـام هـذا يـفـي بالغـرض، لـقـد هـيأ طـعـاماً لـنفـر قـلـيـل، وفي الخـنـدق آلاف، فالنبي (صلى الله عـليه وسـلم) ما كان لأن يـفـعــل إلا ما فـعــل، إلا لأنـه رءوف رحـيـم بالناس.
فالإحـساس بالجـوع إحساس مشـترك، وهـو كـما وصـفه الله في كـتابه العـزيـز:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التـوبة ـ 128)، فـتصرف ذلك التصـرف ، لأنه أحـس بما يحـس به كل الصحابة الـذين يحـفـرون الخـنـدق، فـدعـا الـرسـول أن يـبـارك الله في ذلـك الطـعـام لـيكـفي ذلك العـدد مـن الصـحابة، فكـفى بـفـض الله وفـضـل دعـاء الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم).
روى مالك بن ديـنار: قال بينـما أنا ماش في الطـريـق، رأيـت رجـلاً مخـمـوراً طـرحـته الخـمـرة أرضـاً، والـزبـد عـلى شـفـتـيه، وهـو يـقـول: الله! الله! وهـو في حـالة سـكـر وهـذيان بتأثـير الخـمـر، فـعــظـم مـالك اسـم الله أن يخـرج مـن فـم مـلـوث بالسـكـر، فـتـلـطـفـت مـعـه ومـسحـت فـمه، وأكـرمـته عـلى رغـم مـن سـكـره، وبـعـد أن صـحـا قـيـل لـه: أتـدري مـن اعـتـنى بـك واهـتـم بحـالك؟، قال: لا، قـيـل له إن الإمام مالك بن ديـنـار هـو الـذي اعـتنى بـك، ويـبـدو أن العـناية الـربانيـة اللـطـيفـة بهـذا العـاصي أثارت حساسية نفـسه فـبـكى تأثـراً ونـدماً.
وقـد تـدرك عـناية الله العاصي ، وتأخـذه الخـشية فـيبكـي نـدماً، ونام الإمام مـالك بن ديـنـار لـيـلـته تـلك، فـسمـع في مـنامه صـوتاً يـخـاطـبه: يا مالك طـهـرت فـمـه مـن أجـلـنا، فـطـهـرنا قـلـبه مـن أجـلك، وخـرج الإمـام مالك بن ديـنار إلى الـمسجـد، فـرأى رجـلاً يـبكـي ويصـلي ويتهـجـد، فـقـصـده وقال: مـن أنـت يـرحـمـك الله، قال الـرجـل: إن الـذي هـداني هـو الـذي أخـبرك بحـالي.
ولـذلك فالـمـؤمـن إذا مـا قـدم لعـباد الله خـدمات ما، أو رحـم العـباد أو أكـرمهـم فآمنهـم مـن خـوف، أو أطـعـمهـم مـن جـوع، أو سـقاهـم مـن عـطـش، أو كسـاهـم مـن عـري، فحـيـث ما يـسـدي الإنسان معـروفا إلى مخـلـوق كائـنـا مـن كان، فـذلك عـين الـشـكـر الـذي يـريـده الله مـن عـباده لـعـباده، ويـريـدهـم أن يتعـاونـوا عـلى الــبر والـتـقـوى، وأن يـتـراحـمـوا وأن يتـكاتـفـوا، وأن يتسـانـدوا.
فـكـل ذلـك يـعـتـبر شـكـر لله، عـلى ما أولى به وأنعــم، وهـدى إلى الطـريـق الأ قــوم، فالنعـمة مـن الله، والتـوفـيق لفـعــل الخـير مـن الله، وتأتي المكـافـأة في النهـاية مـن الله، والإنسـان عـنـدما يـوفـق لخـدمـة الناس يشـعـر بارتيـاح نـفـسي.
عـن أبي ذر ـ رضي الله عـنه ـ قال: قال لي النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(لا تحـقـرن مـن المعـروف شـيئا ، ولـو أن تـلـقى أخـاك بـوجـه طــلـق) ـ رواه مسلـم.
إن فـاعـل الخـير لا يـنـدم، وإذا فـعـل العـبـد شـيئا مـن المعـروف، فـذلك بتـوفـيـق الله لـه، فـعــليه أن يشـكـر الله في ذلك، ومـن أراد أن يعـرف شـكر الله عـز وجـل للإنسان، عـلى مـا قـدم مـن العـمـل الصالح، فـعـلـيه أن يسـال نفـسه كـيف يجـدها، وكـيف هـو ردود الـفـعـل لـدى الآخـرين، ولـماذا المـؤمـن هـو الـذي يعـمـل هـذه الأعـمال الصالحة، إذن: ليـس لها تفـسير إلا أنها تعـبير عـن شـكـر العـبـد لله عـز وجـل، مـن خـلال خـدمة عـباده.
إذا كـنت تاجـراً ونصحـت في البـيع والشـراء وكـنت أمـيـناً، فأنت مـع الـذين أنعـم الله عـليهـم: مـن النبيين والصادقـين والشـهـداء والصالحـين وحـسن أولـئـك رفـيقـاً، وإذا ما عـودت نـفـسك فـعـل الخـير، صار ذلك لـديك عـادة تشـكـرعـليها.
فـيحـكى أن رجـلاً كان مـاراً في الطـريـق لـيـلاً، فـرأى رجـلاً يحـمـل طـفـلاً، ويسـتره بسـترته، وبجـانبه امـرأة وكانت الثانية عـشـر لـيـلاً، فـقال هـذا الـرجـل يجـب عـلي أن أقـدم لهـم خـدمة، أوصـلهـم بسـيارتي إلى مـنزلهـم، وإذا بالطـفـل حـرارته مـرتـفـعـة جـداً إذ بـلـغـت واحـدة وأربـعـين درجـة والـوالـدان غـريبان، ولا يـعـرفان أحـدا في البـلـد، فـسخـر الله لهـم هـذا الـرجـل ليـمـد إلـيهـم يـد المـساعـدة، فأخـذهـما إلى أقـرب مستشـفى، فـوجـدوا طـبيبا مناوبا فـفحـص الطـيب الطـفـل، وكـتب وصـفـة لـشـراء الـدواء الـلازم، فـقـصـدوا صيـدلية مناوبة واشـتروا الـدواء، وكانت السـاعـة الـرابعـة صـباحـاً، فـشـكـر الـوالـدان الـرجـل، الـذي قـدم لهـمـا تلك الخـدمة ومـن غـير أن يعـرفـهـما، فأحـس الـرجـل بـسعـادة لا تـقـدر بثـمـن، فـمـن الـذي وفـق هـذا الـرجـل لـتـقـديـم تلك الخـدمة الجـليلة، لـمـن لا يعـرفـهـم إلا الله، ويـقـول بعـضـهـم: والله نحـن نـريـد السـعـادة والسـعـادة بين أيـدينا، إذا أردنا أن نسعـد فـعـلـينا أن نسعـد الآخـرين، كل واحـد منا يـذوق لـذة الأخـذ، هـو يقـبض الـمال فـيفــرح ويمـرح، ولكـن ما أحـد ذاق طـعـم العـطـاء، العـطـاء له لـذة أكـبر، العـطـاء تمسـح به جـراح أســرة، أسـرة فـقـيرة محـتاجـة، فـكـم لهـا مـن الخـير، وكـم لهـا مـن وقـع في قـلـوب الآخـريـن، فـمثـلاً تجـد شـخـصاً لهــفـان، عـنـده مشـكلة تحـير في حـلهـا، قـمـت أنـت تحـل له مشـكـلته، وجـدته بـلا مأوى وأنـت مقـتـدر، أمـنـت له بـيـتا يأوي إلـيه، أو رجـل بـلا زوجـة ساعـدته عـلى الـزواج ، أو وجـد ت رجـلا مـريـضا دللـته عـلى طـبيـب مخـلـص لا يغــشه ولا يـبتـز أمـوالـه، فانـت لا تعـرف طـعـم السـعـادة حـقـاً، إلا إذا خـدمت الناس سـمع رجـل رجـلاً وهـو يتهـجـد يـقـول: يا رب لا يحـلـو اللـيـل إلا بمـناجـاتـك، ولا يحـلـو النهـار إلا بخـدمـة عـبـادك.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى